اخصائي نفسيالأسبوع العربيقصص ورواياتمجلة الأديب العربي

الفصل الثانى عشر: الطيبة والوحش

الفصل الثانى عشر: الطيبة والوحش
الفصل الثاني عشر: العدّ التنازلي
بقلم / سهير محمود عيد
بدأ يعدّ الأيام…
من غير ما يقول.
عاد كل شيء محسوبًا:
مواعيد النوم.
طريقة الكلام.
حتى الضحك بقى له سقف.
الوحش حين يمنح مهلة،
لا ينتظر اعتذارًا…
ينتظر انكسارًا.
لاحظتُ الرسائل الصغيرة.
عين تراقب أكثر.
سؤال يتكرر بلا سبب.
وتفتيش صامت لكل حركة.
قال لي صباحًا وهو يرتدي معطفه:
— «أحب البيت يكون هادي الفترة الجاية.»
كانت جملة بسيطة…
لكنها تحمل سكينًا.
في المدرسة، استُدعيتُ مرة أخرى.
الأخصائية تتحدث بلطف زائد:
— «الأول عنده قلق… بيخاف يغلط.»
قلت بهدوء:
— «هو بيتعلّم يكون حذر.»
ابتسمت ابتسامة فهمتُ معناها.
الحذر لا يُعلَّم… يُزرَع.
في المساء، جمع الأولاد فجأة.
جلس قبالتهم، صوته منخفض، عينيه حادتين:
— «أنا عايز أسمع منكم.»
لم ينظروا إليّ.
كان هذا جديدًا.
— «إنتوا عايزين إيه؟»
صمت.
الصمت الذي يخنق.
قال للأول:
— «تكلم.»
قال الطفل بصوت ثابت، لكنه صغير:
— «عايز أكمّل من غير ما أبقى خايف.»
ابتسم الوحش.
ابتسامة باردة.
— «الخوف بيخلّي الواحد ناجح.»
قال الثاني فجأة:
— «مش دايمًا.»
تغيّر الهواء.
— «إنت بتعترض؟»
— «بفهم.»
وقتها…
فقد الوحش صبره.
— «كفاية!»
وقف.
داس الأرض بقدمه.
الصوت كان أعلى من اللازم.
— «واضح إن في حد لسه مش فاهم.»
نظر إليّ مباشرة.
لم يصرخ.
قالها بهدوء قاتل:
— «آخر الأسبوع ده.»
عرفتُ المعنى.
انتهت المهلة.
في تلك الليلة، لم أنم.
حضّرت حقائب المدرسة.
رتّبت الأدراج.
وضعت الأوراق المهمة في ملف واحد.
لم أقل شيئًا.
لكن جسدي كان يعرف.
دخل الأول غرفتي قبل النوم:
— «ماما… إحنا رايحين فين؟»
نظرت إليه طويلًا.
قلت الحقيقة بنصها:
— «لسه.»
— «طب هنسيبه؟»
لم أجب.
لكنني ضممتُه بقوة.
في الصباح، حدث ما لم يحسبه الوحش.
اتصال.
رقم مجهول.
— «مدام… في شكوى وصلت بخصوص البيت.»
لم أفهم.
ثم فهمت.
نظر إليّ من آخر الغرفة.
وجهه شاحب.
ليس خوفًا عليّ…
خوفًا من الصورة.
سألني بهمس غاضب:
— «إنتِ عملتي إيه؟»
قلت بهدوء لأول مرة بلا تضحية:
— «ولا حاجة… الحقيقة بس خرجت.»
ساد صمت ثقيل.
الصمت الذي يسبق الانهيار.
العدّ التنازلي لم يكن لي.
كان له.
والفصل القادم
لن يكون عن قرار…
بل عن تنفيذ.
يتبع…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى