
الدكروري يكتب عن القوط في بلاد الأندلس
بقلم / محمـــد الدكـــروري
عندما تم فتح بلاد الاندلس، فقد أقبل معظم القوط على اعتناق الإسلام، وامتزجوا مع الفاتحين الجدد، وانسحب قسم آخر منهم نحو الشمال الأيبيري الذي لم يخضع طويلا للمسلمين، وقد عاد قائدا الفتح موسى بن نصير، وطارق بن زياد، إلى عاصمة الخلافة دمشق بأمر من الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة سته وتسعين من الهجره، حيث لم يمارسا أي عمل سياسي أو عسكري بعد ذلك لأسباب اختلف فيها المؤرخون، وقد لف الغموض نهاية طارق بن زياد خصوصا حيث لم يعرف ما حلَّ به بعيد وصوله إلى دمشق، وقد كان هذا الفتح بدايه للتواجد الإسلامى في الأندلس الذي امتد لنحو ثمانى مائه عام تقريبا، قضاها المسلمون في صراع مع الإمارات والممالك المسيحية، والتي تكونت في الشمال في المناطق التي لم يغزوها المسلمون.
حتى سقوط مملكة غرناطة وكان خلال تلك الفترة أسس المسلمون حضارة عظيمة في البلاد الأندلسية حتى اعتبرت منارة أوروبا خلال العصور الوسطى، وحصلت حراكات اجتماعية بارزة نتيجة هذا الفتح وتعدد العرقيات البشرية التي سكنت البلاد الأندلسية، فتعربت بعض قبائل البربر وبعض القوط، وتبربرت بعض قبائل العرب، واختلط العرب والبربر والقوط وشكلوا مزيجا سكانيا فريدا من نوعه في العالم الإسلامي، وأقبل القوط الذين بقوا على المسيحية على تعلم اللغة العربية والتثقف بِالثقافة الإسلامية مع حفاظهم على خصوصيتهم الدينية، فعرفوا بِالمستعربين، وكتبوا لغتهم بِالأحرف العربية التي عرفت باسم اللغه المستعربه، وأما عن القوط الغربيون فهم قبائل شكلت مع قبائل القوط الشرقيين فرعي قبائل القوط الرئيسيين.
وكان ذلك خلال حقبة الهجرات، فقد عملت قبائل القوط الشرقية الغربية بالإضافة للعديد من القبائل الجرمانية الأخرى، على محاربة الإمبراطورية الرومانية ومحاولة إسقاطها واجتياح مناطق منها، وكان ذلك بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، حيث لعب القوط الغربيون دورا مهما في أوروبا الغربية لمدة تصل إلى قرنين ونصف من الزمان، وقد نشأت مملكة للقوط الغربيين، بعدما أسكنتهم الحكومة الرومانية بقيادة الملك فاليا في إقليم أقطانية جنوب غرب فرنسا، ثم توسعت مملكتهم بعد ذلك واحتلت كل شبه جزيرة أيبيريا، وقد ظهر القوط الغربيون كشعب منفصل للمرة الأولى في التاريخ، وكان ذلك عندما غزوا أجزاء من الإمبراطورية الرومانية واقتحموا منطقة البلقان.
وقد امتد الاجتياح ليصل إلى مقاطعتي بانونيا وإليركيوم الرومانيتين وقد هزم القوط الغربيون قرب الحدود الإيطالية السلوفينية، وكذلك في معركة نايسس، ثم تراجع نفوذ القوط الغربيين إلى ما وراء نهر الدانوب بسبب سلسلة من الحملات التي قادها الأباطرة الرومان كلاوديوس الثاني وأوريليان، وبالرغم من المحاولات المتكررة للقضاء على القوط الغربيين فقد حافظوا على سيطرتهم على مقاطعة داكيا الرومانية، وكان ذلك بسبب مكوث القوط في داكيا فقد اعتنقوا المسيحية الأريانية التي تقول بأن المسيح ليس صورة من صور الرب في ثالوث الأقداس وإنما مخلوق عادي كسائر البشر خلقه الله تعالى، وقد كانت الأريانية تخالف، بشكل كبير، المعتقدات الأساسية للمسيحية الكاثوليكية وأرثودكسية اللتين كانتا منتشرتين في الإمبراطورية الرومانية.





