
البقاء والرحيل
بقلم الكاتبة/نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
إنها لحيْرةٌ عميقةٌ تتغلغلُ في أعماق الوجدان، وتُلقي بظلالها على مسرح الحياة. إن التعبيرَ عن مكنونات النفس ليصبحُ ضربًا من ضروب المستحيل حينما تتناقضُ القراراتُ وتتصارعُ الرغبات. ففي خضم هذا الصراع الوجودي، تترددُ الأصداءُ على مسامع القلب والعقل معًا، صدىً يقول: “لن نبقى…”، وصدىً آخر يصرخُ بحزم ولن نغادر..
أيُّ معادلةٍ قاسيةٍ تلك التي تفرضُ علينا هذا الشللَ العاطفيَّ، وهذا الثباتَ القسريَّ في منطقةِ المنتصفِ الرمادية؟ فالنفسُ التي تتوقُ إلى الاطمئنان، تجدُ نفسها أسيرةً لهذه المتناقضات. وبينما يظلُ اللقاءُ، أملُ المحبين ومبتغى السالكين، بعيدَ المنال، يعلو صوتُ التساؤل الممزوجِ بالحيرةِ والاستفهامِ الأكيد: “ولن نلتقي… فماذا سيحدث؟ قل لي هذا السؤالُ ليس مجردَ استفهامٍ عابر، بل هو صرخةُ استغاثةٍ تُوجَّهُ إلى الضميرِ والعقلِ والقلب، بحثًا عن إجابةٍ شافيةٍ تُزيحُ غشاوةَ الغموضِ عن المصير. ماذا ينتظرُنا في هذا المأزقِ الذي اخترناهُ أو فُرضَ علينا؟
لكنَّ شيئًا واحدًا يظلُّ راسخًا، كصخرةٍ تتحدى عواصفَ القدر؛ وهو أنَّ هذه الأرواحَ المُعذَّبةَ لن تستكينَ ولن ترضخَ للركودِ أو الاستسلام. فمهما اشتدَّ وطيسُ الحيرة، ومهما تعاظمتْ قسوةُ الانتظار، لن نستسلم للصمت القاتل، ولا للجروح القديمة.
إنَّ الصمتَ قد يكونُ أحيانًا أشدَّ فتكًا من أيِّ كلماتٍ جارحة، فهو يتركُ مساحةً للأوهامِ كي تنمو، وللآلامِ كي تتجذر. ولذلك، كان لزامًا علينا أن نرفضَ هذا الصمتَ المفروضَ رفضًا قاطعًا، وأن نُعلنَ عن ثورتنا الداخليةِ ضدَّ كلِّ ما يُقيّدُ الروحَ ويُثقلُ الكاهل. كما أنَّ الجروحَ، مهما طالَ أمدُها، لا يجبُ أن تتحولَ إلى قيودٍ تُعيقُ المسير. صحيحٌ أنَّ الألم لن يتبدد بسهولة، فبعضُ الآلامِ تُصبحُ جزءًا من تكوينِ الروح، وشاهدًا على التجاربِ التي مرَّتْ بها، والذكريات ستظل… محفورةً في سويداءِ القلب، تُنيرُ أحيانًا وتُؤلمُ في أحيانٍ أخرى.
ومع ذلك، في خضمِّ هذا الألمِ وتلكَ الذكريات، تكمنُ قوةُ الاستمرار. فرغمَ كلِّ ما سبقَ من تناقضاتٍ وأوجاع، ستبقى شعلةُ الأملِ مُتَّقدةً في دواخلِنا. وسنبقى نحلم، ونأمل، ونبحث عن الأمان. هذا هو خيطُ النجاةِ الوحيدِ الذي نتمسكُ به. الحلمُ هو وقودُ الحياة، والأملُ هو شراعُ السفينةِ في بحرِ الاضطراب، والبحثُ عن الأمانِ هو الهدفُ الأسمى الذي يسعى إليه كلُّ كائنٍ حي؛ أمانُ الروحِ قبلَ أمانِ الجسد، أمانُ الشعورِ بالسلامِ الداخليِّ حتى لو عزَّ اللقاءُ أو صعبَ الرحيلُ أو استحالَ البقاء. سنظلُ نجاهدُ ونناضلُ، متسلحينَ بالإيمانِ بأنَّ غدًا قد يحملُ في طياتهِ ما يزيلُ الحيرةَ ويُبددُ الظلمة.





