
إحنا بقينًا بنحاكم بعض… بدل ما نسمع بعض
بقلم: سيد جلال الفرماوي
في زمنٍ تسارعت فيه الأحكام، لم يعد الاستماع فضيلة، بل صار ترفًا لا يمارسه إلا القليل.
صرنا نحاكم بعضنا من أول كلمة، من أول موقف، وكأن كل واحدٍ فينا يحمل مطرقة قاضٍ لا يعرف الرحمة.
لم نعد نُنصت لنفهم،
بل نُنصت لِنُدين.
ننتظر زلة اللسان، لا اكتمال الفكرة،
ونبحث عن الخطأ، لا عن الحقيقة.
الناس اليوم لا تُمنح فرصة للشرح،
فالساكت متهم،
والمتألم ضعيف،
والناجح مشكوك في أمره،
ومن فشل أصبح مادة للسخرية.
نختصر الإنسان في موقف،
ونختصر العمر في لحظة،
ونسينا أن لكل إنسان قصة لا نعرف منها إلا العنوان.
المشكلة ليست في اختلاف الآراء،
فالاختلاف سنة الحياة،
لكن الكارثة أن الرحمة غابت عن الحوار،
وأننا صرنا نكسب النقاش ونخسر الإنسان.
وسائل التواصل الاجتماعي عمّقت الأزمة،
علّمتنا سرعة الحكم،
ولم تعلّمنا عمق الفهم.
كلمة تُكتب بلا تفكير،
تعليق ساخر،
اتهام عابر…
وقد يترك كل ذلك جرحًا لا يُرى، لكنه لا يندمل.
نحاسب الناس على ردود أفعالهم،
ولا نسأل عمّا سبقها من ضغوط،
ولا عمّا حملوه في قلوبهم بصمت،
ولا عن عدد المرات التي خُذلوا فيها قبل أن يتكلموا.
نحتاج اليوم أن نُعيد الاعتبار لفن الاستماع،
أن نسمع بعقولنا لا بأحكامنا،
وبقلوبنا لا بتحيزاتنا.
أن نمنح الإنسان فرصة أن يشرح،
حتى لو لم يُقنعنا،
فمجرد الإنصات قد ينقذه.
ليس كل خطأ جريمة،
ولا كل صمت إدانة،
ولا كل اختلاف عداوة.
ربما لو سمعنا بعضنا أكثر،
لقلّت قسوتنا،
وربما لو رحمنا بعضنا،
نجونا جميعًا من هذا الضجيج القاسي.





