الأسبوع العربيقرأت لكقراءة نقديةقصة قصيرةقصص ورواياتمجلة الأديب العربي

أصابع تـرسم الروح خلف عتمة البصر

أصابع تـرسم الروح خلف عتمة البصر

قلم:وائل عبد السيد 

المشهد الرابع: رحلة التطهير.. الرسم بالبصيرة

المكان: المرسم القديم (الذي أصبح الآن نظيفاً من كل الأدوات التقليدية).

الجو: هدوء عميق، يتسلل منه ضوء القمر الشاحب الذي لا يراه زيد، لكنه يشعر ببرودته على جلده.

عاد “زيد” إلى مرسمه، لكنه لم يفتح علب الألوان الزيتية. وقف أمام لوحة قماشية بيضاء ضخمة، ليس في يده فرشاة، بل كانت أصابعه عارية. قرر أن يتخلص من “تطهير” ذاكرته البصرية القديمة؛ لم يعد يريد رسم شجرة كما تبدو، بل يريد رسم “نمو الشجرة” كما يشعر به.

أغمض عينيه (رغم أنهما مغمضتان بالفعل بفعل العمى) وغمس أصابعه في مادة طينية باردة ممزوجة بعطور طبيعية. بدأ يلمس سطح اللوحة. في البداية، كانت حركاته مترددة، لكن سرعان ما بدأت “الترتيلة” تتدفق في عروقه.

كان يتحرك أمام اللوحة كأنه في رقصة صوفية. أصابعه تترك آثاراً بارزة، نتوءات ومنخفضات. لم يكن يرى الألوان، لكنه كان “يتخيل” حرارة اللون الأحمر وبرودة الأزرق. كانت اللوحة تخرج من تحت يده كخريطة بارزة للمشاعر.

هذا ليس رسماً.. هذا اعتراف،” همس لنفسه والدموع تنزلق من عينيه المنطفئتين.

في هذه اللحظة، شعر “زيد” بتطهير حقيقي. غسل يديه من كبرياء الفنان المشهور الذي كان يبحث عن إعجاب الناس بجمال لوحاته. الآن، هو يرسم ليفهم نفسه، ليتصل بـ “ذاته المحجوبة”. اللوحة لم تكن موجهة للعين، بل كانت موجهة للمس، للروح، لمن يستطيع أن يقرأ “النبض” المطبوع على القماش.

شعر لأول مرة أن “آفاق الإبصار” التي فقدها كانت مجرد قشرة رقيقة، وأن ما يفعله الآن هو الغوص في المحيط نفسه. لقد تحول الفن لديه من “رؤية” إلى “وجود”.

أصابع تـرسم الروح خلف عتمة البصر
الروح خلف عتمة البصر

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى