الأسبوع العربيقصة دينيةقصص ورواياتمجلة الأديب العربيمجموعة قصصية

‘ الأخسرين اعمالا’ الفصل الخامس

الأخسرين اعمالا
الفصل الخامس
ملايين مقابل ضمير
بقلم: سيد جلال الفرماوي
في صباحٍ عاصف، دخل مكتب يوسف رجلٌ أنيق المظهر، يحمل ثقة من اعتاد أن تُلبّى طلباته.
كان يمثل شركة مقاولات كبرى، وجاء بعرضٍ بدا من الوهلة الأولى كأنه طوق نجاةٍ طال انتظاره.
جلس الرجل بهدوء، واستعرض مشروعاً متكاملاً لنظامٍ برمجي لإدارة المخازن والرقابة المالية.
الأرقام التي ذكرها كانت كفيلة بأن تنقل يوسف، في خطوة واحدة، من ضيق الكفاف إلى سعة لا يحلم بها.
لكن الحديث لم ينتهِ هنا.
خفض الرجل صوته قليلاً، وقال بابتسامةٍ مريبة:
— «نحتاج فقط لمساحة تعديل يدوية… حاجة بسيطة. أحياناً بتبقى فيه تسويات بعيد عن أعين الضرائب. أكيد فاهمني».
تجمّد يوسف في مكانه.
مرّت أمام عينيه صور سريعة: مدرسة ابنه، احتياجات البيت، الديون التي تتراكم بصمت.
كان العرض مغرياً إلى حدٍ مرعب.
بعد مغادرة العميل، جلس يوسف وحده في المكتب.
حاول أن يقنع نفسه:
— «يمكن دي فرصة ربنا؟ يمكن أنا متشدد زيادة عن اللزوم؟ الكل بيعمل كده».
فتح هاتفه بلا وعي، فوقع بصره على تعليقٍ جديد أسفل أحد منشوراته القديمة:
— «المثالية سهلة طول ما الجيب فاضي… جرّب تجوع، وهتنسى مبادئك».
شعر يوسف وكأن الكلمات تطعنه.
عاد صدى الآية الكريمه يطارده:
{وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}.
هل إحسان الصنع هو أن يؤمّن مستقبل أولاده بأي ثمن؟
أم أن يحافظ على نفسه نقية، ولو خسر كل شيء؟
في تلك اللحظة، فتح باب المكتب ودخل العم عبد الرحمن.
نظر إلى وجه يوسف الشاحب، وقال مباشرة دون مقدمات:
— «عرضوا عليك الحرام، صح؟».
سكت يوسف طويلاً، ثم قال بصوتٍ خافت:
— «تعبت يا عمي… الأولاد محتاجين كتير، وأنا خايف أكون السبب في حرمانهم».
وضع العم يده على صدره وقال بحزم:
— «أبوك مات وما سابش غير سمعته… وهي اللي خلتني أقف جنبك النهارده. لو كان خان، ما كنتش هتشوفني هنا. ما تكسرش السلسلة دي علشان فلوس».
ظل يوسف صامتاً، لكن القرار كان يتكوّن في داخله ببطء…
قرار سيغيّر كل شيء.
انتظرونا … الفصل السادس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى