
بقلم / د. حنان حسن مصطفي
ان الاريكة في غرفة التحليل النفسي هي عنصر أيقوني، هي رمز العيادة التحليلية النفسية:
ولقد قدمها فرويد كأداة عمل، ولم نتوقف عن كونها عنصراً أساسياً في غرفة التحليل. لكن رغم الصور النمطية الشائعة، الا ان جميع المرضى الذين يخضعون لرحلة علاجية أو تحليلية لا يُدعون للاستلقاء على الاريكة. لماذا؟ ان اللجوء إلى الاريكة يخضع، مثل كل فعل يقوم به المحلل، لمنطق: في العلاج لا شيء يجب أن يترك للصدفة. من جهة لدينا المنطق الذي يوجه المحلل في قرار مقابلته للمريض “وجهاً لوجه”،
أو دفعه لدعوة المريض للاستلقاء على الاريكة؛ ومن جهة أخرى لدينا “قصة” الاريكة كأداة عمل في الرعاية التحليلية. كما نعلم، صقل فرويد منهجه عبر اختبارات ومراحل متعددة: بدءاً من استخدام التنويم المغناطيسي وأسلوب التطهير، وبعد سنوات طويلة من العمل السريري والبحث والتأمل النظري، حدد فرويد بوضوح العناصر الحاسمة في العلاج التحليلي النفسي. فرويد نفسه يشير إلى “سبب تاريخي” لاستخدام الاريكة: “
أصر على التوصية بوضع المريض على أريكة بينما نحن نجلس خلفه، حتى لا يرانا. ولقد كان لهذا الترتيب دلالة تاريخية، فهو من بقايا العلاج التنويمي الذي تطور منه التحليل النفسي. ومع ذلك، فإنه يستحق أن يُحتفظ به لأسباب متعددة. أولاً لسبب شخصي، لكن قد يشاركني آخرون فيه. يقول فرويد:”لا أتحمل أن يتم التحديق بي لمدة ثماني ساعات (أو أكثر) يومياً من قبل الآخرين”… “وبما أنهم يتركونني أثناء الاستماع لتيار أفكاري اللاشعورية، لا أريد أن تقدم تعابير وجهي للمريض مادة للتفسير أو تؤثر في اتصالاته.” (فرويد، “نصائح جديدة حول تقنية التحليل النفسي”،
بدء العلاج، ١٩١٣، ص. ٣٤٣) لقد كان فرويد صريحا في تذكيره بتطور تقنية التحليل النفسي، بدءاً من ممارسة التنويم المغناطيسي وأشكال أخرى من الإيحاء: استخدام الاريكة اكتسب حقيقياً، صُمم للحفاظ على الموضع التحليلي بشكل أفضل ولأسباب عملية. لقد كان فرويد في الواقع يخبرنا شيئاً عن نفسه وعن الجهد المطلوب من المحلل للحفاظ على “حياده” وجعل ما يسمى “الشاشة البيضاء” عاملة: “ان من الضروري أن يواجه المريض كلامه وكلماته، مع تقليل تأثير “الإيحاء”، الذي يختلف تماماً عن الطرح، المرتبط بردود فعل المحلل التلقائية واللاإرادية تجاه ما يقال. يضيف فرويد: “عادةً ما ينظر المريض إلى الوضع كحرمان ويتمرد ضده، خاصةً إذا كانت الرغبة في التحديق (الاستعراضية) تلعب دوراً مهماً في عصابه”.
مع ذلك، أصر على هذا الإجراء، الذي يهدف ويحقق نتيجة تجنب التناقض الخفي بين التفسير وتداعيات المريض الحرة، لعزل التفسير وجعله يصل في وقته الخاص بشكل واضح على شكل مقاومة.” (المرجع السابق) ها هو العنصر المنطقي الأول: حرمان المريض من رؤية المحلل يمنع شخص المحلل من أن يصبح “هدفاً” للمريض ومناورات الطرح الخاصة به، والتي هي مجرد أشكال من المقاومة للعلاج. ان المحلل الذي يصبح حاضراً في شكل وجوده وصوته فقط، يوضع في مستوى مختلف تماماً عن الحضور المتماثل لـ “وجهاً لوجه”:
إذا كانت شخصية المحلل يمكن أن تلعب دوراً مهماً، وتصبح مرجعاً ومستقبلاً لإسقاطات وتجارب المريض، فإن “اختفاءه” كحضور غير مرئي يدفع المريض تحت التحليل إلى مواجهة ليس مع شبيه له، أو آخر، بل مع كلامه، مع كلماته الخاصة، وبالتالي مع الآخر اللاشعوري الذي يعيش فيه. للمراجعة: – سيغموند فرويد – العلاج النفسي (١٩٠٤) – سيغموند فرويد – نصائح جديدة حول تقنية التحليل النفسي، بدء العلاج، ١٩١٣ في الصورة: سرير فرويد الشهير





