
كتبت: مها أبو ندا
يقول المواطن الفلسطيني عبدالله أحمد عبد الرحمن أبو ندا، الذي كان يعمل أخصائي مختبر بالقطاع، والذي فقد جميع أفراد أسرته، خلال العدوان على قطاع غزة، يوم الجمعة الموافق الثالث عشر من أكتوبر لعام 2023م، والذي تعرضوا خلالها لحرب إبادة وتطهير عرقي بمعنى الكلمة.
يقول عبدالله أبو ندا وحصري لجريدة وموقع الأسبوع العربي:
” كنت في العمل وقت أن تم استهداف جميع أفراد أسرتي.
كانت الساعة الثامنة مساءً، حين قصف العدو منزل نسايبي واستشهدوا هم وعائلة زوجتي جميعًا،
وكانت صدمة قاسية حتى الآن اجتر مرارة لوعتها، وجاء رمضان ٢٠٢٦، أقول له”رمضان عذرًا…
ما عدت أستقبلك كما كنت أفعل، كنتَ شهر الفرح في بيتٍ عامر، واليوم تدخل على مكانٍ لم يَعُد بيتًا…
جدرانه سقطت، وسقفه صار سماءً مفتوحة على الوجع، وذكرياته مبعثرة تحت الركام.
رمضان…
كنتَ شاهدًا على أصوت أم أحمد وهي توقظنا للسحور، وكان بيتنا يمتلئ برائحة الخبز والأطعمة والدعاء.
اليوم لا بيت يجمعنا، ولا مائدة تُرتَّب، ولا جدران تحفظ صدى صوتها…
لكن صوتها ما زال قائمًا في قلبي، أسمعه كلما نويت الصيام.
نوال
كانت تزيّن المكان بروحها قبل الزينة، تضحك فيصير الركن عيدًا، تمشي فيضيق المكان عليها حبًا.
اليوم المكان خالٍ…
لكن ذكراها تملأ الفراغ أكثر من أي حضور.
حبيبي أحمد
كان يقف إلى جواري في الصلاة،
كتفًا بكتف، كأنه يقول لي: “أنا هنا يا أبي”
اليوم أصلي…
ولا جدار يسترني، ولا صف يكتمل، لكنني أشعر أن دعاءه يسبقني إلى السماء.
حبيبي أنس
كان يخفف وطأة الصيام بكلمة، وضحكة صغيرة تشق التعب.
رمضان بدونه هادئ أكثر مما يحتمل القلب.
حبيبي محمد… رفيقي وآخر العنقود
كان ينتظر الأذان بعينين مليئتين بالشوق،
يمسك التمرة بيده الصغيرة، وينظر إليّ وكأن الإفطار لا يكتمل إلا معي.
اليوم الأذان يُرفع فوق مدينةٍ موجوعة، وأفطر على دمعة لا يراها أحد.
رمضان…
لم يبقَ لنا بيت نستقبلك فيه، ولا جدران نحتمي بها،
ولا غرفة نجتمع فيها على سجادة واحدة.
البيت تدمر، لكنهم هم أيضًا رحلوا…
فصار الدمار في المكان، والفراغ في القلب.
عذرًا يا رمضان…
إن لم أستقبلك بفرح كما كنت،
فإن في داخلي أسماءً لا تغيب:
أم أحمد
نوال
أحمد
أنس
محمد
أؤمن أنهم الآن في جنةٍ عاليةٍ قطوفها دانية بإذن الله،
في دارٍ لا تُهدَم، ولا تُقصف، ولا يُفرَّق فيها بين الأحبة.
اللهم إن كنتَ قد أخذت البيت، فأبقِ لي وعد اللقاء.
وإن كنتَ قد كتبت الفراق في الدنيا، فاكتب لنا اجتماعًا أبديًا في ظل عرشك،
حيث لا حرب،
ولا فقد،
ولا وداع.
رمضان عذرًا





