
بقلم: أسماء أحمد محمد علي
كانت مرمر فتاةً مرحةً، تملأ الضحكة بيتها، وتحب الفراشات حبًا كبيرًا. كانت ترى في أجنحتها الملونة حكاياتٍ لم تُكتب بعد، وتعشق الكتب التي تحكي عنها، فتجلس بالساعات تقرأ وتسرح بخيالها في عالم الأزهار والحقول.
وفي أحد الأيام، بينما كانت تجلس قرب شرفة غرفتها تتأمل السماء الزرقاء، لفت نظرها شيء صغير يسقط على حافة الشرفة. اقتربت سريعًا، فإذا بها تجد فراشة صغيرة منهكة، تنفض جناحيها بخفة وكأنها تطلب النجدة.
اتسعت عينا مرمر دهشةً وحنانًا، وأسرعت نحو الفراشة، ورفعتها بكفّيها بلطف شديد، كأنها تحمل حلمًا لا تريد له أن ينكسر. أدخلتها إلى غرفتها، وصنعت لها بيتًا صغيرًا من الكرتون، فرشته بالأزهار والرياحين، وزيّنته بقطع من القطن لتشعر الفراشة بالدفء والراحة.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت الفراشة صديقة لمرمر. كانت مرمر تجلب لها الزهور من الحديقة، وتقصّ عليها كل مساء أجمل الحكايات، وتغنّي لها بصوت ناعم كنسمة الصباح.
وتعلّقت الفراشة بمرمر، ومرمر تعلّقت بها أكثر. كانت ترافقها في اللعب، وتجري في الحديقة وهي تطير فوقها، وكأنها ترقص من السعادة.
لكن، شيئًا فشيئًا، بدأت الفراشة تفقد بهجتها.
لم تعد تطير كما كانت، ولا تلعب، ولا ترفرف بجناحيها بفرح. كانت تقف في ركن من بيتها الصغير، ساكنة… كأن قلبها يذبل.
شعرت مرمر بالحيرة والحزن، وذهبت مسرعة إلى والدتها، ودموعها في عينيها:
– ماما، فراشتي مريضة! مش بتطير زي زمان!
ابتسمت الأم بحنان، وربتت على كتفها، ثم جلست إلى جوارها وقالت بصوت دافئ:
– يا مرمر، الفراشة مش مريضة، لكنها… حزينة.
هي عندها كل شيء: طعام، ودفء، وحنانك، بس في حاجة ناقصاها…
الحرية يا صغيرتي، الحرية!
الفراشات مخلوقة للطيران، للرقص فوق الأزهار، للحياة تحت الشمس. الحب الحقيقي يا مرمر، مش إننا نحب الشيء ونخليه جنبنا دايمًا، لكن إننا نسيبه يطير ونفرح بسعادته.
سكتت مرمر، وأخذت تنظر إلى الفراشة… ثم إلى بيتها الكرتوني… ثم إلى السماء.
وفي صمت، حملت فراشتها برفق، وفتحت شرفة غرفتها، ومدّت يديها إلى الأعلى.
– روحي… طيري… وكوني حرة!
رفرفت الفراشة بأجنحتها الملونة، ثم طارت في الهواء، تدور بفرح حول مرمر، وكأنها تبتسم لها شكرًا ووداعًا في آنٍ واحد.
وقفت مرمر تتابعها بعينيها اللامعتين بالدموع، لكنها ابتسمت.
ابتسامة ممزوجة بالشوق، والفخر، والسعادة.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت مرمر تجلس كل مساء قرب شرفتها، تنتظر…
وفعلًا، كانت الفراشة تعود من بعيد، تطير حولها، تلامس كفّها، وتلعب معها قليلًا، ثم تعود إلى موطنها في الأفق.
فهمت مرمر أن الحب لا يعني أن نحتفظ بمن نحب، بل أن نمنحه جناحيه ليحلق، ونفرح من بعيد إن عاد، وإن لم يعد… نكتفي بأننا منحناه الحي
🦋 وهكذا، صارت مرمر والفراشة قصة عن الحب والحرية والوفاء… لا تُنسى.





