
بقلم/ د. محمود جمعه الصاوي
العالم الرقمي “جسر يعبر بالإنسان من عالم المجهول إلى عالم المجهول”
إن الحديث عن التغيرات الرقمية التي تحدث الآن بسرعة خيالية والتسابق المجنون بين شركات التكنولوجيا والاتصالات لم يعد ترفاً من الحديث.
ولكن ما يجعل الأمر أكثر خطورة وأهمية حينما يمس أطفالنا وشبابنا، فأطفالنا وشبابنا في العصر الرقمي لديهم حاجة دائمة إلى تعلم مهارات الذكاء الرقمي Digital intelligence (DQ)، وإننا نؤمن أن التكنولوجيا الجديدة وقود مستقبلنا، وأطفالنا هم كل مستقبلنا وعلينا أن نؤهلهم للاستفادة القصوى من ذلك الوقود.
ولكن المخيب للآمال أنه منذ أن طلَّ علينا هذا العصر الرقمي، انقسم الناس بين متفائل لعصرٍ جديدٍ أكثر تطوراً، يبتكر بيئة جديدة تجعل الإنسان أكثر اندماجا وتكيفاً؛ وبالتالي متحمس لمشاركة الأطفال في هذا العالم منذ سن مبكرة، ما يجعلهم ينخرطون في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، والألعاب الإلكترونية، وبين محذرٍ من هذا العالم الذي يأخذ بأطفالنا إلى عالم المجهول، ويسبب لهم اضطرابات منها: اضطراب الشاشات، وإدمان الألعاب الإلكترونية، وظهرت دراسات تحذر من تدني التحصيل الدراسي، وخطر هذه الألعاب على الصحة النفسية للأطفال، وكذلك تعرض هؤلاء الأطفال والمراهقين لخطر التنمر الإلكتروني، أو الاندماج في ألعاب خطيرة من شأنها أن تؤثر على صحتهم النفسية، ما جعل بعض الدول تسن القوانين، وتشرع لتُنظِّم هذه العملية، وتمنع الأطفال دون سن ال 16 من امتلاك حساب على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد ذكر ذلك السيد الرئيس في لقائه الأخير.
وليس الحل في المنع التام، وبالتالي نحرم أطفالنا من مواكبة التطور، وأيضاً ليس الحل في الاستخدام المفرط، وإنما الحل في الاستخدام الرشيد.
ففي دراسة أجريت عام 2017 على 38 ألف طفل تراوحت أعمارهم بين 8 إلى 12 سنة في 29 دولة مختلفة، كانت النتيجة أن أكثر من نصفهم تعرضوا لخطر واحد على الأقل له علاقة بالإنترنت من بينها التسلط عبر الإنترنت، وإدمان ألعاب الفيديو، والاستمالة عبر الإنترنت، وسرقة الهوية الرقمية، وسوء إدارة الخصوصية على الإنترنت، والتعرض لعمليات التضليل الرقمية، والأكثر اثارة للقلق أن الشبان في البلدان النامية كانوا أكثر عرضة بنسبة ٣: ١ مرة من أقرانهم في البلاد المتقدمة، ومصر كان نسبتها 71% في تعرض أطفالها لتلك الاخطار.
كما إن فصل الأطفال والمراهقين عن العالم الرقمي بسبب الخوف من مخاطر الإنترنت ليس خياراً صحيحاً، حيث تعد القدرة على الوصول إلى العالم الرقمي أحد الحقوق الأساسية للأطفال في القرن الحادي والعشرين، ومن المهم بنفس القدر أن نتوقع زيادة الاتجاه التكنولوجي في حياة الأطفال، وأن التعلم هو الحل، حيث يحتاج أطفالنا إلى أن يكونوا مجهزين بالمهارات المناسبة لهم ليصبحوا قادرين على مواجهة مخاطر الإنترنت، وزيادة فرصهم في العالم الرقمي.
ومن هنا ظهر معهد الذكاء الرقمي DQ Institute برعاية سنغافورة وأستراليا هدفه تقديم التعلم الذكي الرقمي الجيد لكل طفل من خلال حركة أطلق عليها Every child DQ الذكاء الرقمي لكل طفل بهدف تمكين كل طفل رقمياً وتمكين الأطفال والمراهقين من تحويل المخاطر إلى فرص.
وذلك من خلال تسليح الأطفال وتدريبهم على ثماني مهارات تمثل الذكاء الرقمي وهي: مهارة إدارة الشاشة، ومهارة إدارة البصمة الرقمية، ومهارة إدارة الخصوصية الرقمية، ومهارة إدارة التنمر الإلكتروني، ومهارة إدارة التفكير الناقد، ومهارة إدارة الأمن الإلكتروني، ومهارة إدارة التعاطف الرقمي، ومهارة إدارة هوية المواطن الرقمية.
وقد قمت بإجراء بحث ودراسة نحو بناء مقياس للذكاء الرقمي يعتمد على هذه المهارات الثمانية وقمت بنشره في المجلة المصرية للدراسات النفسية أتمنى أن ينتبه له المسئولين عن وزارة التربية والتعليم، وأن يأخذوا بما جاء في توصيات هذا البحث من دمج هذه المهارات الثمانية في مناهج التعليم لأطفالنا في المدارس، وألا يفوتوا على أطفالنا هذه الفرصة الثمينة للتعلم





