الأسبوع العربيدنيا ودينمقالاتمنوعات

الإنسان بين «خليفة» و«مِن رُوحِي»

الإنسان بين «خليفة» و«مِن رُوحِي»
حين يكشف اختيار اللفظ القرآني هندسة الخلق
بقلم: نعمة حسن
ليست المشكلة دائمًا في النص.
أحيانًا تكون المشكلة في العين التي تقرأ النص، وفي الإطار الضيق الذي أُدخل فيه، حتى إذا خرجنا من أسر الشرح الموروث بوصفه نهاية المعنى، وعدنا إلى القرآن نسأل: لماذا قال الله هذه الكلمة تحديدًا؟ ولماذا لم يقل غيرها؟ انفتح أمامنا من المعنى ما يجعل الآية التي حفظناها عشرات السنين كأننا نسمعها للمرة الأولى.
ومن أعجب المواضع التي تستحق هذا النوع من التدبر أن القرآن وضع حول الإنسان ثلاث حقائق هائلة:
قال الله:
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
وقال في خلق آدم:
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾
ثم قال في شأن الروح:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
ثلاث آيات.
خليفة.
من روحي.
من أمر ربي.
هل هذه جزر منفصلة في القرآن؟
أم أننا أمام بناء واحد يكشف موقع الإنسان في هندسة الخلق؟
أولًا: انتبه إلى اللفظ قبل أن تبحث عن الشرح
لم يقل الله للملائكة:
إني خالق في الأرض مخلوقًا.
مع أن الإنسان مخلوق بالفعل.
ولم يقل:
إني واضع في الأرض كائنًا.
ولم يقل:
إني جاعل في الأرض بشرًا.
وإنما جاء الإعلان السماوي قبل ظهور آدم بلفظ ذي وظيفة:
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
كأن القرآن لا يقدم الإنسان هنا من زاوية مادة تكوينه فحسب، بل من زاوية موقعه ودوره داخل الأرض.
وهنا يلزم التدقيق؛ فلا يصح أن نقول ببساطة إن الإنسان «خليفة الله» بمعنى أنه يحل محل الله أو ينوب عنه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
النص قال:
﴿فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
ولم يقل:
خليفتي.
وهذا الفارق بالغ الدقة.
ومن معاني الخلافة التي ذكرها المفسرون أن البشر يخلف بعضهم بعضًا، جيلًا بعد جيل، وهو معنى يتسع بصورة مدهشة لما حدث بعد ذلك في تاريخ الإنسان: مولود يخلف مولودًا، وجيل يسلم الأرض لجيل، وحضارة تقوم على آثار حضارة.
فالإنسان لا ينزل إلى الأرض زيارة عابرة.
إنه يدخل سلسلة.
يولد فيجد أرضًا عمرها السابقون، ثم يضيف أو يفسد، يبني أو يهدم، يعلم أبناءه، ويترك ما صنع لمن يأتي بعده.
ولهذا قد يكون في لفظ «خليفة» معنى يتجاوز فرد آدم إلى ظاهرة الإنسان المتعاقب في الأرض.
إننا لسنا أمام مخلوق يوجد فقط.
بل أمام مخلوق يستمر أثر نوعه عبر الاستخلاف والتعاقب.
ثانيًا: لماذا لم يخلق الله البشر جميعًا دفعة واحدة؟
هنا يبدأ السؤال المدهش.
الله الذي قال:
﴿كُن فَيَكُونُ﴾
قادر على أن يخلق مليارات البشر في لحظة واحدة.
قادر أن يوجد كل إنسان مستقلًا دون رحم.
قادر أن يجعل البشر يظهرون من الأرض كما ظهر آدم أول مرة.
لكن هذا لم يكن النظام الذي اختاره سبحانه لاستمرار الإنسان.
خلق البداية خلقًا مباشرًا.
ثم جعل استمرار النوع الإنساني يمر عبر:
رجل وامرأة.
ثم لقاء.
ثم نطفة.
ثم رحم.
ثم مراحل متتابعة.
ثم ولادة.
ثم طفل ضعيف.
ثم إنسان يشتد.
ثم شيخ يعود إلى الضعف.
ثم موت.
ثم يأتي بعده إنسان آخر.
وهنا يصبح معنى الخلافة شديد الروعة.
إن الأرض لم تُعمر بكتلة بشرية خُلقت دفعة واحدة.
بل بنظام التعاقب.
يخرج جيل من أرحام جيل.
ويخلف أبناء آباءهم.
ويسلم السابق الأرض إلى اللاحق.
حتى طريقة التكاثر نفسها متوافقة بصورة مدهشة مع فكرة الاستخلاف جيلاً بعد جيل.
كان الله قادرًا على خلق النتيجة بلا أسباب.
لكنه سبحانه اختار نظامًا.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في فهم السنن الإلهية:
قدرة الله تظهر في الخلق، لكن حكمته تظهر كذلك في ترتيب الخلق.
المعجزة ليست أن يوجد الإنسان فقط.
المعجزة أيضًا:
كيف جعله الله يوجد.
ثالثًا: الطين وحده لا يفسر الإنسان
ثم نصل إلى التحول الأعظم.
يقول سبحانه:
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾
لاحظ الترتيب:
سويته.
ثم:
نفخت فيه من روحي.
فالتسوية سابقة في التعبير على النفخ.
هناك بناء.
ثم يقع أمر آخر.
لكن هنا يجب أن نقف أمام واحدة من أكثر العبارات القرآنية تعرضًا لسوء الفهم:
﴿مِن رُّوحِي﴾ لا تعني أن في الإنسان جزءًا من ذات الله.
الله سبحانه ليس جسمًا يتجزأ، ولا تنتقل أجزاء من ذاته إلى المخلوقات.
وإضافة الروح إلى الله هي إضافة تشريف وملك وخلق، كما نقول:
بيت الله.
وناقة الله.
وعباد الله.
فالروح مخلوقة لله، لكنها شُرّفت بالإضافة إليه.
وهذا التصحيح لا يقلل من روعة الآية.
بل يزيدها.
لأن السؤال يصبح:
لماذا اختار الله أن ينسب هذا المخلوق الغيبي إليه بهذه الإضافة المهيبة؟

لماذا لم يقل فقط:
ونفخت فيه روحًا؟
قال:
﴿مِن رُّوحِي﴾
فأمام الجسد المكوَّن من مادة الأرض، يضع القرآن سرًا آخر ينتسب تشريفًا إلى أمر السماء.
وكأن الإنسان يقف عند ملتقى عجيبين:
جسد من عالم المادة.
وروح من أمر الرب.
قدماه في التراب.
لكن فيه سر لا يستطيع التراب تفسيره.
رابعًا: وهنا تظهر المفارقة الكبرى
لقد استطاع الإنسان أن يدرس جسده.
عرف الخلية.
والجين.
والكروموسوم.
والحيوان المنوي.
والبويضة.
والقلب.
والدماغ.
والأعصاب.
وصوّر الجنين داخل الرحم.
ورأى قلبه الصغير ينبض.
وراقب نمو أطرافه.
وقاس نشاط دماغه.
لكنه كلما اقترب السؤال من الروح ذاتها توقفت الأدوات.
ليس لأن البحث العلمي قليل القيمة.
بل لأن القرآن منذ البداية وضع أمام الإنسان حدًا معرفيًا:
﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
تأمل التعبير مرة أخرى:
لم يقل:
الروح مادة من مواد العالم.
ولا:
الروح عضو من أعضاء الجسد.
وإنما:
﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾
كأن القرآن يضع الروح عند حدود مختلفة عن الحدود التي تقاس بها الأشياء المادية.
وهنا يصل الإنسان إلى موقف بالغ التواضع:
يعرف كيف يعمل القلب.
لكنه لا يملك الروح.
يعرف متى توقف القلب.
لكنه لا يرى الروح وهي تغادر.
قد يقف الطبيب بجوار المحتضر، تحيط به أحدث أجهزة الطب، يرى الضغط والنبض والأكسجين والنشاط الكهربائي، ثم تقع اللحظة الفاصلة.
الجسد أمامه.
الأعضاء أمامه.
الدم أمامه.
الخلايا أمامه.
لكن الذي كان يجعل هذا الجسد إنسانًا حيًا قد فارقه، ولا توجد شاشة تقول لنا:
هذه هي الروح.
وهذا مسار خروجها.
وهذه ماهيتها.
خامسًا: هل أخفى الله عنا الروح لأنها «من روحي»؟
هنا ينبغي الفصل بين النص القطعي والتدبر الممكن.
لا نستطيع أن نقول على سبيل الجزم:
إن الله أخفى ماهية الروح لأنها أضيفت إليه في قوله ﴿من روحي﴾؛ فالقرآن لم يصرح بهذه العلة.
لكن يمكن أن نقف أمام التناسب المذهل بين النصين:
في موضع الخلق:
﴿مِن رُّوحِي﴾
وفي موضع السؤال عنها:
﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾
الإضافة إلى الله في الموضع الأول تشريف.
والرد في الموضع الثاني يضع الروح داخل دائرة الأمر الإلهي التي لم يمنح الإنسان علمًا كاملاً بها.
وهنا ينفتح باب تدبر هائل:
ربما من حكمة إبقاء حقيقة الروح وراء حجاب أن يعرف الإنسان حدوده.
فالذي سيُعمِّر الأرض، ويكتشف الذرة، ويشق الجبل، ويطير في السماء، ويصل إلى الفضاء، وقد يصل علمه إلى صناعة أنظمة تحاكي بعض عمليات التفكير…
يحتاج إلى حقيقة واحدة تمنعه من أن يتوهم أنه صار إلهًا:
إنك لا تزال عاجزًا عن تفسير سر وجودك أنت.
تعرف أشياء كثيرة عن الكون.
لكن الشيء الذي به أنت حي لا تملكه.
ولا تصنعه.
ولا تستدعيه إن خرج.
سادسًا: متى تدخل الروح؟ ومتى تخرج؟
هنا كذلك يجب ألا ننسب إلى القرآن ما لم يقله.
القرآن وصف أطوار الجنين بإعجاز مذهل، لكنه لم يعطنا في آيات الخلق رقمًا زمنيًا مباشرًا يقول:
في اليوم الفلاني تحديدًا تقع نفخة الروح.
أما السنة النبوية ففيها أحاديث تتعلق بأطوار الجنين ونفخ الروح، وقد بحث العلماء دلالاتها وتفاصيل توقيتها.
ولذلك فالأدق ألا يقال إن الإنسان لم يُعطَ أي معرفة مطلقًا بوقت النفخ، وإنما يقال:
إن الوحي أعطانا خبرًا عن وقوع النفخ وبعض ما يتصل به، لكن ماهية الروح وكيفية اتصالها بالجسد ليست في متناول علمنا التجريبي.
وكذلك الموت.
نعرف علامات الاحتضار.
نعرف توقف الدورة الدموية.
نعرف موت الدماغ.
نعرف انهيار وظائف الجسد.
لكن السؤال الأعمق:
ما الروح نفسها؟ وكيف تتعلق بالجسد؟ وكيف يقع انفصالها عنه على حقيقتها؟
ذلك شيء آخر.
والقرآن يصور لحظة الاحتضار تصويرًا يجعل الإنسان يرى حدود سلطانه:
﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ﴾
يا لها من صورة.
وأنتم حينئذ تنظرون.
أنتم موجودون.
العيون مفتوحة.
الأطباء موجودون.
الأحباء موجودون.
الأيدي تمتد.
لكن هناك حدثًا يقع أمام الجميع لا يستطيع أحد أن يوقفه.
ثم تأتي العبارة المرعبة في عظمتها:
﴿وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ﴾
كأن الله يقول للإنسان:
ليست كل حقيقة موجودة قابلة لأن تقع داخل مجال بصرك.
سابعًا: الإنسان الذي أُعطي الخلافة… لم يُعطَ ملكية الحياة
وهنا أرى أحد أجمل الروابط في القضية كلها.
أُعطي الإنسان مجالًا هائلًا للعمل في الأرض.
يزرع.
يبني.
يكتب.
يكتشف.
يعالج.
يبتكر.
يتعلم.
ينقل العلم إلى أولاده.
ويعيد تشكيل وجه الأرض.
لكن الله لم يسلمه مفتاح البداية ولا مفتاح النهاية.
الإنسان يعمل بين لحظتين لا يملكهما.

مقالات ذات صلة

لحظة دخل بها الحياة.
ولحظة يخرج بها منها.
بينهما مساحة واسعة اسمها:
العمر.
وهنا يظهر معنى المسؤولية بصورة مختلفة.
الخلافة في الأرض ليست سيادة مطلقة.
إنها مسؤولية مؤقتة داخل ملك الله.
أنت قادر على البناء، لكنك لم تخلق المادة.
قادر على الزراعة، لكنك لم تخلق البذرة.
قادر على الإنجاب بالأسباب، لكنك لم تخلق قانون الحياة.
قادر على إنقاذ مريض أحيانًا، لكنك لا تملك أن تمنع الموت إلى الأبد.
وقادر على دراسة الجسد، لكن سر الروح ليس ملكك.
فيا له من توازن!
أعطاه الله قدرة تكفي ليعمر.
وحجب عنه ما يكفي ليظل عبدًا.
ثامنًا: حتى الإنجاب يكسر وهم الخلق
نقول أحيانًا:
الإنسان «يصنع» إنسانًا.
وهذه عبارة تحتاج إلى تأمل شديد.
الرجل يعطي سببًا.
والمرأة تعطي سببًا.
لكن من منهما صمم الانقسام الخلوي؟
من منهما رسم الوجه؟
من اختار كيف تتحول خلية واحدة إلى دماغ وقلب وعين وكبد؟
من أمر الخلايا المتشابهة في أصلها أن تتخصص؟
هذه عصب.
وهذه جلد.
وهذه شبكية.
وهذه عضلة قلب لا تتوقف ليلًا ولا نهارًا.
الأب لا يعرف أثناء العلاقة أي خلية ستبدأ بها حياة ابنه.
والأم لا تصنع بيديها كبد جنينها.
إنهما يدخلان نظامًا خلقه الله، ثم يعمل ذلك النظام في صمت.
ولهذا فإن ولادة الإنسان من إنسان ليست تقليلًا من المعجزة.
إنها ربما أعقد من تصور الخلق المباشر في وعينا.
فالخلق المباشر يقول لك:
الله قادر.
أما نظام التكاثر يقول لك:
الله قادر وحكيم ومدبر ومقدر وواضع للسنن.
إنه لم يخلق الإنسان فقط.
بل خلق طريقة استمرار الإنسان.
تاسعًا: ما الذي يميز الإنسان إذن؟
ليس مجرد أنه حي.
فالحيوان حي.
ولا أنه يتحرك.
فمخلوقات كثيرة تتحرك.
ولا أن له جسدًا بالغ التعقيد فقط.
وإنما يظهر تميزه في اجتماع خصائص هائلة:
عُلِّم الأسماء.
وأُعطي قدرة على البيان.
وحُمِّل مسؤولية أخلاقية.
وأُعطي إرادة واختيارًا.
وسُخرت له أشياء كثيرة في الأرض.
وجُعل في سلسلة الخلافة والتعاقب.
ونُفخت فيه روح شرفها الله بالإضافة إليه.
ثم بقي سر هذه الروح وراء حجاب.
فهو مخلوق أُعطي من المعرفة ما يؤهله للمسؤولية، وحُجب عنه من المعرفة ما يمنعه من ادعاء الألوهية.
وهذا في ذاته بناء بالغ الجمال.
علم يكفي للاستخلاف.
وجهل يكفي للعبودية.
عاشرًا: القرآن لا يهين العقل… القرآن يضعه في مكانه الصحيح
هناك فرق بين أن يقول لك الدين:
لا تفكر.
وبين أن يقول:
فكر حتى تعرف أين ينتهي مدى أدواتك.
القرآن نفسه يسأل.
ويحاجج.
ويضرب الأمثال.
ويدعونا إلى النظر في الأنفس والآفاق.
لكن القرآن لا يعد الإنسان بأن كل الوجود يمكن أن يتحول إلى معادلة في مختبره.
وهنا تتجلى عظمة قوله:
﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
ليست الآية حربًا على العلم.
إنها علاج لغرور العلم.
كلما اتسعت دائرة ما تعرف، اكتشفت أن ما لا تعرف أوسع.
حادي عشر: والمشكلة ليست في النص… بل قد تكون في الطريقة التي حُبس بها النص
وهنا نصل إلى أزمة الخطاب الديني.
ليست الأزمة أن القرآن لا يملك أسئلة العصر.
الأزمة أحيانًا أننا نقدم القرآن إلى الإنسان الحديث بطريقة تجعل الآية أصغر من أفقها.
نشرح الكلمة.
ثم نغلق المصحف.
نذكر قولًا.
ثم نظن أن مهمة العقل انتهت.
مع أن التفسير الصحيح ليس سجنًا للآية.
التفسير يحدد لنا ما تحتمله اللغة وما قاله أهل العلم وما لا يجوز تجاوزه.
ثم يأتي التدبر ليسأل:
ما العلاقات التي يكشفها اجتماع الآيات؟
ما دلالة اختيار اللفظ؟
لماذا «جاعل»؟
لماذا «خليفة»؟
لماذا «سويته» قبل «نفخت»؟
لماذا «من روحي»؟
لماذا حين سئل النبي عن الروح جاء الجواب:
﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾؟
لماذا وصف الموت أحيانًا من جهة التوفي والاسترجاع، ووصف لحظة الاحتضار بمشهد:
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾؟
هذه الأسئلة لا تهدم التراث.
بل تعيد إليه وظيفته الصحيحة:
أن يكون طريقًا إلى النص لا حائطًا أمامه.
ثاني عشر: نحن بحاجة إلى خطاب ديني يعرف الفرق بين ثلاثة أشياء
بين:
ما قاله القرآن قطعًا.
وما فهمه العلماء اجتهادًا.
وما نستطيع نحن أن نتدبره احتمالًا دون أن ننسبه إلى الله على سبيل الجزم.
إذا اختلطت هذه الطبقات صنعنا أزمتين:
إما عقلًا يخاف الاقتراب من القرآن لأنه يظن أن كل سؤال بدعة.
وإما عقلًا منفلتًا ينسب إلى القرآن كل خاطر جميل.
والقرآن أرفع من الاثنين.
نحتاج إلى عقل مؤمن جريء في السؤال، شديد الأمانة في الجواب.
حين يكون النص قطعيًا نقول:
هذا قاله الله.
وحين يكون تفسيرًا معتبرًا نقول:
هذا فهم العلماء.
وحين يكون تدبرًا نقول:
هنا احتمال يفتح باب النظر، ولا نزعم أنه مراد الله قطعًا.
بهذه الأمانة يصبح التدبر علمًا يوقظ.
لا خيالًا يضلل.

الخاتمة: الإنسان… المخلوق الذي يسير بين سرين
لعل أعجب ما في قصة الإنسان أنه يعيش حياته كلها بين سرين.
سر الدخول.
وسر الخروج.
بين نفخة لم يشهدها.
وقبض لا يعرف موعده.
وفي المسافة بينهما قال الله له، بمعنى التكليف والمسؤولية:
اعمل في الأرض.
اعمرها.
تعلم.
اكتشف.
أصلح.
تعارف.
أنجب.
علّم من يأتي بعدك.
ثم سلّم الأرض.
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
لم تكن مجرد جملة افتتاحية في قصة آدم.
إنها إعلان عن نظام إنساني كامل:
يأتي واحد.
ثم يمضي.
ويأتي غيره.
تنتقل الأرض.
وتنتقل المعرفة.
وتنتقل الأسماء.
وتنتقل الأمانة.
لكن الروح لا تصبح يومًا ملكًا لأحد منهم.
يدخل الطفل إلى الدنيا ولا يستطيع أبوه أن يقول:
أنا الذي صنعت روحه.
ويرحل الشيخ منها ولا يستطيع أبناؤه أن يقولوا:
سنأمر روحه أن تبقى.
هنا يبلغ الإنسان قمة قوته وقمة ضعفه في اللحظة نفسها.
إنه يستطيع أن يغير وجه الأرض.
لكنه لا يستطيع أن يأمر روحه بالبقاء فيها.
وهنا ربما نفهم جانبًا من عظمة البناء القرآني:
الله لم يصنع كائنًا صغيرًا ليعيش ثم يموت فحسب.
بل صنع مخلوقًا يعمر ما لا يملك، ويستخدم ما لم يخلق، ويحمل سرًا لا يعرف ماهيته، ويعيش بعمر لا يعرف نهايته، ثم يترك مكانه لمن يخلفه.
أي هندسة للوجود أبلغ من هذه؟
وأي درس في العبودية أعمق؟
وأي تكريم للإنسان أعظم؟
إنه ليس إلهًا صغيرًا على الأرض.
وليس ذرة مهملة فيها.
إنه عبدٌ مُكرَّم، مكلَّف، عاقل، حر في دائرة التكليف، محدود في دائرة الملك، يحمل أمانة العمر بين ميلاد لم يختره وموت لا يستطيع دفعه.
ولعل الخطاب الديني الذي يحتاجه عصرنا ليس خطابًا يضيف إلى القرآن ما ليس فيه.
بل خطابًا يزيل ما تراكم أمامه حتى نراه.
فالقرآن لم يضق.
نحن الذين ضيقنا زاوية النظر إليه.
والنص لم يفقد قدرته على الإدهاش.
لكن الإدهاش يبدأ حين نعود إلى السؤال الذي أهملناه طويلًا:
لماذا قال الله هذه الكلمة… ولم يقل غيرها؟

لماذا قالها مجرد الوقوف والتامل بقلب على يقين من ان كلام المولى جل وعلا ليس ك كلام البشر فالحيرة والتامل واليقين بالله قطعاً سيوصلنا لما في المقصود من اعجاز .
تدبروا القران الكريم ستجدوا الخير كل الخير .
مع تحياتي ..
نعمه حسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى