أعياد وانتصاراتالأسبوع العربيمقالاتمنوعات

« معًا صنعنا نصر أكتوبر المجيد »

« معًا صنعنا نصر أكتوبر المجيد »

بقلم / كندا جودة

هل يمكن أن تصنع أمة نصرًا حقيقيًا وهي متفرقة؟

الإجابة جاءت من مصر في السادس من أكتوبر عام 1973.
في ذلك اليوم.

لم تكن مصر تعرف إلا كلمة واحدة: النصر.

لم يكن على أرض المعركة مسلم يقاتل وحده، ولا مسيحي يقاتل وحده، بل كان هناك جندي مصري يحمل سلاحه، ويقف بجوار أخيه المصري، ويحلم معه باللحظة التي تعود فيها سيناء إلى أحضان الوطن.

كان كل جندي يعرف أن الأرض التي يدافع عنها ليست ملكًا لفئة دون أخرى. إنها أرض مصر. أرض الآباء والأجداد. أرض المسجد والكنيسة. أرض المسلم والمسيحي. أرضنا جميعًا.
وهنا ظهرت أجمل صورة للوحدة الوطنية.

على الجبهة، كان المسلم والمسيحي زميلين وصديقين وأخوين. يأكلان معًا، ويعيشان الخطر معًا، ويتقاسمان لحظات القلق والأمل. لم يكن أحدهما ينظر إلى ديانة الآخر، وإنما كان يرى فيه أخًا مصريًا يقف معه في أصعب لحظات حياته.

وفي الوقت نفسه، كانت هناك جبهة أخرى في البيوت والشوارع والمساجد والكنائس.
كانت الأمهات ينتظرن الأخبار.
وكان الآباء يتابعون كل لحظة.
وكانت القلوب تدق مع كل خبر يأتي من الجبهة.

وفي المساجد، كان المسلمون يدعون الله أن يحفظ جنود مصر وأن يكتب لهم النصر والسلامة.
وفي الكنائس، كان المسيحيون يصلون من أجل الوطن وأبنائه، ويتمنون عودة الجنود إلى أسرهم سالمين.

كان الدعاء يخرج من أماكن مختلفة، لكنه كان يحمل أمنية واحدة: سلامة مصر وانتصارها.

هكذا أصبحت مصر كلها جبهة واحدة.

الجندي يحمل سلاحه.
والأم تحمل الدعاء.
والأب يحمل الأمل.
والطالب يحمل رسالة وطنه.
والعامل والفلاح وكل مواطن يقدم ما يستطيع.

لم تكن الكنيسة بعيدة عن المجهود الوطني. فقد شاركت في جمع التبرعات والمساعدات، ووقفت إلى جانب الدولة والمجتمع في تلك الظروف الصعبة. وكانت تؤكد على أهمية دعم الوطن والوقوف إلى جانب مصر.

وكان الأزهر حاضرًا بدوره الوطني، مؤكدًا أن الدفاع عن الوطن مسؤولية، وأن وحدة المصريين قوة لا يمكن أن تنكسر.

أما الجامعة، فلم تكن بعيدة عن نبض الشارع المصري. كان الطلاب والأساتذة يعيشون الأحداث لحظة بلحظة. وكان العلم والوعي والانتماء جزءًا من معركة الوطن. فالجامعة لا تبني العقول فقط، وإنما تبني الإنسان الذي يعرف قيمة أرضه ويحافظ عليها.

ولم تكن المدارس بعيدة عن هذه الروح أيضًا. فقد تربى الأطفال على حب الوطن، وعلى أن مصر تجمع أبناءها مهما اختلفت أديانهم.

ثم جاءت لحظة النصر.
لحظة انتظرها المصريون طويلًا.
ارتفعت راية مصر، وامتلأت القلوب بالفرحة.
لم يسأل أحد: من المسلم؟ ومن المسيحي؟
ففي لحظة النصر، كان الجميع مصريين.

فرحة واحدة.
علم واحد.
وطن واحد.
وأرض واحدة.
وهذا هو المعنى الحقيقي للوحدة الوطنية.

فالوحدة ليست مجرد كلمات نقولها في المناسبات، وليست صورة تجمع الهلال والصليب فقط. الوحدة الحقيقية تظهر عندما يمر الوطن بأزمة، فنجد أبناءه يقفون إلى جواره دون تردد.

لقد أثبت أكتوبر أن المصريين يستطيعون أن يختلفوا في أشياء كثيرة، لكنهم يتفقون عندما يتعلق الأمر بمصر.
قد يختلف المسلم والمسيحي في العقيدة، لكنهما لا يختلفان على حب الوطن.

قد يذهب أحدهما إلى المسجد، والآخر إلى الكنيسة، لكنهما يلتقيان تحت علم مصر.

قد تختلف طرق العبادة، لكن الأرض واحدة.
والتاريخ واحد.
والذكريات واحدة.
والأحلام واحدة.

ولهذا فإن أبطال أكتوبر لم يتركوا لنا فقط ذكرى نحتفل بها كل عام، بل تركوا لنا درسًا يجب أن نتعلمه ونعلّمه لأبنائنا.
درس يقول إن مصر لا تقوى بالتفرقة، وإنما تقوى بأبنائها عندما يقفون صفًا واحدًا.
علّمونا أن الوطن يحتاج إلى الجميع.
يحتاج إلى الجندي الذي يحميه.
وإلى الطبيب الذي يعالج أبناءه.
وإلى المعلم الذي يبني عقولهم.
وإلى الطالب الذي يتعلم من أجل مستقبله.
وإلى الأم التي تربي أبناءها على حب مصر.
وإلى كل إنسان يعمل من أجل أن تكون بلاده أفضل.

في كل عام، عندما نحتفل بنصر أكتوبر
نتذكر أن صنع الجنود النصر في الميدان، وساعدهم شعب كامل خلفهم.
مسلم ومسيحي.
رجل وامرأة.
شاب وشيخ.
طالب وأستاذ.
جندي ومدني.
كلهم كانوا جزءًا من حكاية مصر.

ولهذا سيظل أكتوبر شاهدًا على أن مصر عندما تتحد لا يستطيع أحد أن يكسر إرادتها.

سيظل الهلال بجوار الصليب رسالة تقول للعالم:
نحن مختلفون في عقائدنا، لكننا متحدون في وطننا.
نحن أبناء أرض واحدة.
نشرب من نيل واحد.
نعيش تحت سماء واحدة.
ونحمل علمًا واحدًا.

إذا كان أبطال أكتوبر قد صنعوا النصر بالسلاح والشجاعة، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نحافظ على هذا النصر بالعلم والعمل والأخلاق والوحدة.
فمصر ليست مجرد مكان نعيش فيه.
مصر وطن نعيش له، ونحميه، ونبنيه معًا.
وهكذا سيبقى أكتوبر في قلوبنا ليس مجرد ذكرى حرب، بل ذكرى يوم أثبت فيه المصريون أن أجمل انتصارات الوطن تبدأ من كلمة واحدة.
معًا
معًا صنعنا النصر،وسنحافظ على مصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى