الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

شجرة تحت الضوء وغابة خارج المشهد

شجرة تحت الضوء وغابة خارج المشهد
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

ليس لدينا أى إعتراض على إنقاذ شجرة. بل على العكس تماماً. إنقاذ شجرة معمرة عمل يستحق التقدير. ونقلها بطريقة علمية وإعادة زراعتها باستخدام المعدات المناسبة خطوة تحترم قيمة الشجرة وتحترم عمرها وتحترم المكان الذى عاشت فيه سنوات طويلة.

مقالات ذات صلة

لكن المشهد الذى صاحب نقل شجرة البونسيانا فى مصر الجديدة يفتح باباً واسعاً للأسئلة. فقد تحولت عملية نقل شجرة إلى حدث حظى بمتابعة رسمية وإعلامية واسعة. وظهرت المعدات. وتوالت البيانات. وتابع المسؤولون عملية النقل. وكأن القاهرة إكتشفت فجأة أن الأشجار كائنات تستحق الحماية.

وهنا لا بد أن نتوقف قليلاً.

إذا كانت الشجرة تستحق كل هذا الإهتمام بعد أن أصبحت فى حاجة إلى النقل. فلماذا لا تحصل الأشجار المعمرة على الإهتمام نفسه قبل أن تصل إلى هذه اللحظة. وإذا كانت الدولة تمتلك المعدات والخبرات التى تمكنها من نقل شجرة ضخمة والحفاظ على جذورها. فلماذا لا تكون هذه الإمكانات جزءاً من سياسة ثابتة للتعامل مع الأشجار القائمة فى مشروعات التطوير.

السؤال ليس ضد البونسيانا. والسؤال ليس ضد نقلها. والسؤال أيضاً ليس إتهاماً لوزارة أو محافظة أو مسؤول. السؤال ببساطة هو. لماذا يصبح إنقاذ شجرة واحدة مناسبة لكل هذا الضوء. بينما لا تحظى قضية الأشجار المعمرة بالقدر نفسه من الإهتمام عندما تكون مهددة بالإزالة أو التجريف فى مواقع أخرى.

المواطن يرى المشهد. ويتذكر مشاهد أخرى. يتذكر أشجاراً كبيرة إختفت من شوارع وميادين ومواقع مختلفة. ويتساءل. هل كانت كل هذه الأشجار غير قابلة للنقل. وهل خضعت كل حالة لتقييم زراعى وفنى مستقل قبل إتخاذ القرار. وهل كان النقل مستحيلاً بالفعل فى كل حالة. أم أن الأمر كان فى بعض المواقع مرتبطاً برؤية مختلفة للتعامل مع المساحات الخضراء.

هذه الأسئلة لا تحتاج إلى غضب. ولا تحتاج إلى إتهامات. تحتاج إلى إجابات واضحة.

لأن الشجرة المعمرة ليست رقماً فى كشف. وليست مجرد خانة يمكن تعويضها بشتلة جديدة. الشجرة التى قضت عشرات السنين حتى أصبحت بهذا الحجم لا يمكن إختصار عمرها فى عدد من الأشجار الصغيرة. فالشتلة الجديدة تحتاج سنوات طويلة حتى تصنع ظلاً حقيقياً. وتحتاج سنوات أطول حتى تصبح جزءاً من ذاكرة الشارع.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية.

أن نحتفى بنقل شجرة بعد وصولها إلى مرحلة الخطر أمر جيد. لكن الأفضل أن تكون لدينا منظومة تمنع وصول الأشجار إلى الخطر من الأساس. أن يدخل وجود الشجرة فى حسابات التخطيط قبل دخول المعدات إلى الموقع. وأن يسأل المهندس والمخطط والمتخصص الزراعى منذ البداية. هل يمكن تعديل المسار. هل يمكن تغيير التصميم. هل يمكن نقل الشجرة. هل يمكن حماية جذورها. هل توجد حلول أقل كلفة بيئياً من إزالتها.

أما أن نبدأ بالمشروع ثم نبدأ التفكير فى مصير الشجرة. فهذه هى النقطة التى تستحق المراجعة.

لقد أعلنت وزارة التنمية المحلية والبيئة فى وقت سابق توجيهات بحصر الأشجار التى أزيلت فى بعض أعمال التطوير. والوقوف على أسباب اللجوء إلى الإزالة بدلاً من النقل. مع التأكيد على تعويض الأشجار التى أزيلت بأعداد أكبر. وهذا إتجاه مهم. لكنه يفتح أيضاً باباً أوسع للنقاش حول فلسفة التعويض نفسها.

فهل يمكن أن نعوض خمسين عاماً بخمسين شتلة.

الأرقام قد تقول نعم. لكن الطبيعة لا تقول ذلك.

خمسون شجرة صغيرة ليست شجرة واحدة عمرها خمسون عاماً. لأن قيمة الشجرة ليست فى عدد جذوعها فقط. وإنما فى ظلها. وحجمها. وقدرتها البيئية. ومشهدها البصرى. وموقعها. وما تختزنه من ذاكرة المكان.

ولهذا فإن حماية الأشجار يجب ألا تكون مجرد رد فعل بعد وقوع المشكلة. ولا ينبغى أن تتحول إلى مناسبة إعلامية كلما نجحت جهة ما فى إنقاذ شجرة. النجاح الحقيقى هو أن يصبح إنقاذ الأشجار أمراً عادياً. وأن تصبح حمايتها جزءاً من التخطيط. لا خبراً عاجلاً بعد بدء أعمال التطوير.

ولست ضد البيانات. ولست ضد التصوير. ولست ضد متابعة المسؤولين لعملية نقل شجرة. لكن المواطن من حقه أن يسأل عن الصورة الأكبر. إذا كان هذا القدر من الجهد ممكناً لإنقاذ شجرة واحدة. فأين تذهب هذه الإرادة عندما نتحدث عن مئات الأشجار المعمرة التى تواجه مصيراً مختلفاً فى مواقع أخرى.

ربما تكون الإجابة أن لكل حالة ظروفها الفنية. وربما تكون هناك أسباب هندسية لا يعرفها المواطن. وهذا أمر يجب إحترامه. لكن إحترام الأسباب الفنية لا يمنع المطالبة بالشفافية. بل يجعلها أكثر أهمية.

نحن لا نريد أن تتحول الأشجار إلى أبطال فى نشرات الأخبار. نريدها أن تبقى واقفة فى الشوارع. نريد أن نراها تكبر. ونريد أن يصبح وجودها جزءاً طبيعياً من المدينة. لا أن تختفى ثم نبحث عن طريقة لتعويضها.

الشجرة لا تحتاج إلى مؤتمر. ولا تحتاج إلى بيان طويل. ولا تحتاج إلى كاميرات تحيط بها من كل إتجاه. الشجرة تحتاج إلى قرار علمى يحميها قبل أن تصبح قضية رأى عام.

ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن شجرة واحدة نجحت فى جذب كل هذه الأضواء لأنها إحتاجت إلى عملية إنقاذ. بينما الأشجار التى تختفى بصمت لا تجد دائماً من يسأل عنها بالقدر نفسه.

وهنا يصبح السؤال أكبر من البونسيانا نفسها.

هل نريد حماية الأشجار فعلاً. أم نريد فقط أن نثبت أننا نستطيع إنقاذ شجرة عندما تصبح قصتها أمام الكاميرات.

الفرق بين الأمرين كبير.

الأول سياسة. والثانى مشهد.

والقاهرة التى تبحث عن هواء أفضل وظل أكثر ومساحات خضراء حقيقية لا تحتاج إلى مشاهد إستثنائية. تحتاج إلى منظومة تجعل الشجرة المعمرة جزءاً من القرار قبل أن تكون جزءاً من المشكلة.

إنقاذ البونسيانا خطوة تستحق التقدير. لكن التقدير الحقيقى لها لا يكون بالضوء الذى أحاط بعملية نقلها. وإنما بما يمكن أن نتعلمه منها.

فإذا كانت شجرة واحدة قد إستدعت كل هذه المعدات وكل هذا الإهتمام وكل هذه المتابعة. فربما آن الأوان لأن نسأل عن الأشجار التى لم تجد كل ذلك.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للشجرة ليس أن تسقط.

الأخطر أن تختفى. ولا يسأل أحد أين ذهبت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى