
الواسطة تهدم مبدأ تكافؤ الفرص
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
ليست كل الظواهر السلبية في المجتمع صاخبة. بعضها يتحرك في هدوء شديد. لا يترك وراءه ضجيجاً واضحاً. لكنه يترك أثراً عميقاً في نفوس الناس. ومن أخطر هذه الظواهر الواسطة عندما تتحول من مساعدة استثنائية في موقف إنساني إلى وسيلة دائمة للحصول على ما لا يحصل عليه الآخرون بالطريقة نفسها.
فالواسطة في صورتها البسيطة قد تبدو للكثيرين أمراً عادياً. شخص يعرف شخصاً. فيطلب منه أن يساعده في الوصول إلى مسؤول أو تسريع إجراء أو معرفة معلومة. وقد يرى البعض أن الأمر مجرد تعاون بين الناس. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول المعرفة الشخصية إلى طريق مختصر يتجاوز القواعد التي يفترض أن تنطبق على الجميع.
هنا لا تعود القضية مجرد خدمة يقدمها إنسان لإنسان. تصبح القضية متعلقة بالعدالة. وبإحساس المواطن بأن الفرص لا ينبغي أن تتحدد فقط بمن يعرفه. أو بمن يستطيع الوصول إليه. أو بمن يملك شبكة واسعة من العلاقات.
فالإنسان يستطيع أن يتحمل خسارة فرصة. لكنه يجد صعوبة أكبر في تقبل شعوره بأن الفرصة لم تكن متاحة له من البداية بالشروط نفسها التي أتيحت بها لغيره.
وهنا تظهر أخطر نتائج الواسطة. إنها لا تأخذ فرصة من شخص فقط. لكنها قد تزرع في داخله اعتقاداً بأن الاجتهاد وحده لا يكفي.
وهذا الاعتقاد إذا انتشر يصبح أكثر خطورة من الواسطة نفسها.
لأن المجتمع لا يتقدم بالمال وحده. ولا بالقوانين وحدها. ولا بالمؤسسات وحدها. المجتمع يتقدم أيضاً بثقة الإنسان في أن جهده يمكن أن يقوده إلى نتيجة عادلة. وأن الكفاءة لها قيمة. وأن الالتزام له معنى. وأن الطريق المفتوح أمامه لا يتوقف عند باب مغلق لا يفتح إلا لمن يملك علاقة.
عندما يشعر الإنسان أن قدرته لا تكفي. وأن عليه أولاً أن يبحث عن شخص يعرف شخصاً آخر. يبدأ شيء مهم في داخله بالانكسار.
تضعف الرغبة في الاجتهاد. ويتراجع الإحساس بقيمة الإنجاز. وقد يتحول الإنسان من البحث عن تطوير نفسه إلى البحث عن شبكة علاقات تحمي مستقبله.
وهنا تصبح الواسطة ثقافة وليست مجرد تصرف فردي.
والثقافة أخطر من التصرف. لأن التصرف يمكن أن يمر وينتهي. أما الثقافة فتنتقل من شخص إلى آخر. ويتعلمها الصغير من الكبير. ويصبح ما كان مستنكراً في الماضي أمراً عادياً في الحاضر.
وقد يصل الأمر إلى أن ينصح أحد الوالدين ابنه بأن يبحث أولاً عن صاحب نفوذ أو معرفة قبل أن يسأله عن قدراته. وقد يقول له أحدهم إن الشهادة وحدها لا تكفي. وإن الاجتهاد وحده لا يفتح الأبواب. وإن الطريق الحقيقي يبدأ من العلاقات.
وهنا لا نكون قد أفسدنا فرصة شخص واحد. بل نكون قد أرسلنا رسالة خاطئة إلى جيل كامل.
الرسالة تقول إن الطريق الطبيعي ليس هو الطريق الأفضل دائماً.
وهذه رسالة شديدة القسوة على أي مجتمع يريد أن يبني مستقبله على الكفاءة.
فالطبيب الذي يصل إلى موقعه بالكفاءة ليس مثل شخص يصل إليه لأنه يعرف من يساعده. والموظف الذي يحصل على فرصة لأنه الأقدر على أداء العمل ليس مثل من يحصل عليها لأن أحداً رشحه من خارج معايير الاختيار. والعامل الذي يتقدم لأنه يمتلك الخبرة والقدرة ليس مثل من يتجاوز أصحاب الخبرة بسبب علاقة شخصية.
المشكلة هنا ليست في الأشخاص وحدهم. بل في الطريقة التي يتم بها تقييم الإنسان.
عندما تصبح المعرفة الشخصية أهم من القدرة. فإن المجتمع يبدأ تدريجياً في وضع الأشخاص في أماكن لا تتناسب بالضرورة مع إمكاناتهم.
وهنا يدفع الجميع الثمن.
الشخص غير المناسب قد يجد نفسه أمام مسؤولية أكبر من قدرته. والمكان الذي يحتاج إلى الكفاءة قد لا يحصل عليها. والشخص الأكفأ قد يتراجع أو ينسحب أو يبحث عن فرصة أخرى. ومع الوقت تصبح الخسارة جماعية.
ولذلك فإن أخطر ما تفعله الواسطة أنها لا تظلم فرداً واحداً فقط. بل يمكن أن تضعف فكرة الكفاءة نفسها.
تخيل شاباً قضى سنوات في الدراسة. ثم حصل على شهادته. ثم طور مهاراته. ثم دخل أكثر من اختبار. ثم تقدم إلى فرصة كان يرى أنها مناسبة له. وبعد ذلك اكتشف أن شخصاً آخر حصل عليها بسبب علاقة لا علاقة لها بقدرته على أداء العمل.
قد لا يتحدث هذا الشاب. وقد لا يحتج. وقد يبتسم أمام الآخرين. لكنه قد يحمل في داخله سؤالاً مؤلماً.
إذا كان الاجتهاد لا يكفي. فلماذا أجتهد؟
هذا السؤال أخطر من ضياع الوظيفة أو الفرصة. لأنه يمس علاقة الإنسان بمستقبله.
المجتمع الذي يجعل المجتهد يشعر بأن جهده بلا قيمة. يخسر طاقة هائلة كان يمكن أن تتحول إلى إنتاج وإبداع وتطوير.
ولهذا فإن مكافحة الواسطة ليست حرباً على العلاقات الإنسانية. فالناس بطبيعتهم يساعدون بعضهم بعضاً. وهذا أمر محمود في أصله. وقد تكون هناك مساعدة إنسانية لا علاقة لها بتجاوز حق أحد. وقد يقدم شخص نصيحة لصديق. أو يرشده إلى إجراء صحيح. أو يساعده في معرفة الطريق الذي ينبغي أن يسلكه.
كل ذلك طبيعي.
لكن الفاصل الحقيقي يبدأ عند نقطة محددة.
هل المساعدة تفتح الطريق أمام الشخص ليحصل على حقه. أم تفتح له طريقاً يتجاوز به حقوق الآخرين؟
هذا هو السؤال.
إذا كان شخص يطلب مساعدة في معرفة الأوراق المطلوبة لإنهاء إجراء. فهذه مساعدة طبيعية. وإذا طلب من شخص أن يرشده إلى الجهة المختصة. فهذه مساعدة مفيدة. أما إذا أصبحت العلاقة وسيلة لتجاوز ترتيب أو شرط أو معيار يفترض أن يسري على الجميع. فهنا تتحول المساعدة إلى مشكلة اجتماعية.
والوعي بهذا الفرق مهم جداً.
لأننا أحياناً نخلط بين الشهامة وبين الاستثناء. ونخلط بين مساعدة الإنسان وبين منحه أفضلية غير مستحقة.
وقد يكون الإنسان نفسه ضحية لهذه الثقافة في موقف. ثم يصبح جزءاً منها في موقف آخر.
يستنكر الواسطة عندما تضيع عليه فرصة. ثم يبحث عنها عندما يحتاج إلى خدمة. يرفض أن يتجاوز شخص عليه في الطابور. ثم يحاول هو أن يدخل قبل الآخرين عندما يجد فرصة. يطالب بالعدل عندما يكون صاحب الحق. ثم ينسى العدل عندما يصبح صاحب المصلحة.
وهنا تظهر أزمة أعمق من الواسطة نفسها.
إنها أزمة المبدأ.
فالعدالة لا ينبغي أن تكون شيئاً نطالب به عندما يخدم مصالحنا. ثم نتجاهله عندما تصبح مصلحتنا في الاتجاه الآخر.
إذا كنا نريد مجتمعاً أكثر عدلاً. فعلينا أن نبدأ من أنفسنا. علينا أن نسأل قبل أن نطلب خدمة استثنائية. هل هذه الخدمة ستضر بإنسان آخر؟ هل ستمنحني ميزة لا أستحقها؟ هل ما أطلبه هو تسهيل حق مشروع. أم تجاوز لحق شخص آخر؟
هذه الأسئلة البسيطة يمكن أن تكشف الفرق بين المساعدة والواسطة.
ولا يمكن الحديث عن الواسطة من دون الحديث عن بعض الأسباب التي تساعد على انتشارها.
كلما كانت الإجراءات غامضة. زادت حاجة الناس إلى من يدلهم على الطريق. وكلما كانت المعلومات غير متاحة بصورة واضحة. زادت قيمة العلاقات الشخصية. وكلما طال انتظار المواطن من دون معرفة سبب التأخير. بدأ يبحث عن شخص يستطيع أن يختصر له الطريق.
ولهذا فإن مواجهة الظاهرة لا تكون فقط بمطالبة الناس بعدم استخدامها. بل تحتاج أيضاً إلى بيئة واضحة. وإجراءات مفهومة. ومعلومات متاحة. ومعايير معلنة. وآليات يستطيع المواطن من خلالها أن يعرف أين وصلت معاملته. وما المطلوب منه. ومتى يمكنه الحصول على الخدمة.
الوضوح يقلل مساحة الواسطة.
كلما عرف الإنسان الطريق الطبيعي لإنجاز حقه. قلت حاجته إلى البحث عن طريق آخر.
وكلما كانت معايير الاختيار واضحة. أصبح من الأصعب على أي علاقة شخصية أن تحل محل الكفاءة.
وهنا يأتي دور المؤسسات في بناء الثقة.
المؤسسة الناجحة ليست التي تجعل المواطن يبحث عن شخص داخلها ليساعده. بل التي تجعل المواطن يعرف أن حقه يمكن الوصول إليه من خلال الطريق الطبيعي. وأن الإجراءات لا تعتمد على الحظ. ولا على معرفة موظف. ولا على قدرة الشخص على الوصول إلى صاحب القرار.
وعندما يشعر المواطن بذلك. تتغير علاقته بالمؤسسة نفسها.
يصبح أكثر احتراماً للنظام. وأكثر التزاماً بالإجراءات. وأكثر استعداداً للانتظار عندما يعرف أن الجميع ينتظرون وفق قواعد واحدة.
أما عندما يشعر بأن هناك أبواباً جانبية لا يعرفها إلا البعض. فإن الثقة تبدأ في التراجع.
ومن أخطر نتائج فقدان الثقة أن الناس يبدأون في تقليد السلوك الذي كانوا يرفضونه.
يقول أحدهم لنفسه إن الجميع يفعل ذلك. فيبحث عن واسطة. ثم يصبح جزءاً من الدائرة. وبعد سنوات تتحول الدائرة إلى واقع اجتماعي يصعب كسره.
وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال مهم.
هل الواسطة سبب المشكلة. أم أنها نتيجة لضعف الثقة في الطريق الطبيعي؟
الحقيقة أنها قد تكون الأمرين معاً.
قد تبدأ بسبب رغبة شخص في الحصول على ميزة. ثم تنتشر لأن آخرين فقدوا الثقة في حصولهم على حقوقهم من دون تدخل. وكلما زاد استخدامها. زادت قناعة الناس بأنها ضرورية. وكلما زادت هذه القناعة. أصبحت مقاومتها أصعب.
ولهذا فإن علاجها يحتاج إلى تغيير في السلوك وفي البيئة التي تسمح لها بالانتشار.
لكن التغيير الحقيقي لا يبدأ بالشعارات.
يبدأ من احترام الإنسان للقاعدة حتى عندما يستطيع تجاوزها.
يبدأ من الموظف الذي يرفض أن يجعل معرفته الشخصية سبباً في تجاوز حق شخص آخر. ويبدأ من المواطن الذي يقرر أن يسلك الطريق الصحيح حتى لو كان الطريق أطول. ويبدأ من الأسرة التي تعلم أبناءها أن النجاح لا يعني الوصول بأي وسيلة. بل الوصول بطريقة تحفظ حق الآخرين.
ويبدأ أيضاً من المجتمع الذي يتوقف عن تمجيد الشخص القادر على إنهاء كل شيء بعلاقاته.
فنحن أحياناً نمنح صاحب الواسطة مكانة اجتماعية أكبر مما يستحق. نصفه بأنه شخص مهم. ونعتبر قدرته على فتح الأبواب دليلاً على نفوذه. وقد نتعامل مع هذه القدرة باعتبارها مهارة اجتماعية.
وهنا نحتاج إلى إعادة النظر في بعض المفاهيم التي ترسخت في حياتنا.
ليس الشخص الأقوى هو الذي يستطيع تجاوز الآخرين. وليس الشخص الأذكى هو الذي يعرف كيف يلتف حول القاعدة. وليس النجاح أن تصل أولاً بأي طريقة.
النجاح الحقيقي أن تصل من دون أن تسحق حق شخص آخر في الطريق.
وهذه ليست مثالية زائدة. إنها ضرورة لبناء مجتمع يستطيع أفراده أن يثق بعضهم ببعض.
فإذا عرف الطالب أن تفوقه له قيمة. والموظف أن كفاءته محل تقدير. والباحث عن فرصة أن معايير الاختيار واضحة. والمواطن أن حقه لا يحتاج إلى وساطة. فإن المجتمع كله يربح.
أما إذا أصبح السؤال الأول قبل أي فرصة هو. من تعرف؟
فإن السؤال الأهم يتراجع إلى الخلف.
ماذا تستطيع أن تقدم؟
وهنا تكون الخسارة أكبر من مجرد فرصة ضائعة.
لأن المجتمع الذي يسأل عن العلاقات قبل القدرات. قد يضع الأشخاص في الأماكن الخطأ. والمجتمع الذي يضع الأشخاص في الأماكن الخطأ. يدفع ثمن ذلك في جودة العمل. وفي الإنتاج. وفي الخدمات. وفي ثقة الناس في المستقبل.
إن تكافؤ الفرص ليس ترفاً فكرياً. وليس شعاراً يقال في المناسبات. إنه أحد الأسس التي تجعل الإنسان يشعر بأن له مكاناً يمكن أن يصل إليه بجهده وقدرته.
ولا يعني تكافؤ الفرص أن يحصل الجميع على النتيجة نفسها. فهذا غير منطقي. الناس يختلفون في القدرات والخبرات والاجتهاد والاختيارات. لكن معناه أن تكون نقطة البداية عادلة. وأن تكون المعايير واضحة. وأن تكون النتيجة مرتبطة بما يستطيع الإنسان تقديمه. لا بمن يستطيع أن يقدمه إليه من خلال علاقة شخصية.
وعندما نحمي هذا المبدأ. فإننا لا نحمي حق الفرد فقط.
نحن نحمي المجتمع من أن يتحول إلى ساحة مغلقة. لا يجد فيها المجتهد طريقاً إلا إذا امتلك مفتاحاً من خارج قدراته.
وفي النهاية. قد يستطيع الإنسان أن يفتح بالواسطة باباً مغلقاً. لكنه لا يستطيع أن يبني بالواسطة كفاءة حقيقية. وقد يستطيع أن يحصل على فرصة. لكنه لا يستطيع أن يمنح نفسه القدرة على النجاح فيها. وقد يستطيع أن يصل إلى مكان لا يستحقه. لكن وجوده في المكان الخطأ قد يكشف عاجلاً أو آجلاً أن العلاقات تستطيع أن تفتح الأبواب. لكنها لا تستطيع أن تصنع الإنسان المناسب لكل باب.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست ضد شخص يستخدم الواسطة. وليست ضد شخص يقدم المساعدة. وليست ضد العلاقات الإنسانية الطبيعية.
المعركة الحقيقية ضد الفكرة التي تقول إن حق الإنسان يحتاج دائماً إلى شخص آخر كي يصل إليه.
فإذا استطعنا أن نعيد للإنسان ثقته في الطريق الطبيعي. وأن نجعل الكفاءة ذات قيمة حقيقية. وأن نحترم القواعد حتى عندما تكون لنا القدرة على تجاوزها. وأن نربي أبناءنا على أن الاستحقاق أهم من العلاقات. فإننا لا نحارب الواسطة فقط.
نحن نعيد بناء معنى العدالة في نفوس الناس.
وعندما يصبح الإنسان واثقاً بأن جهده لن يذهب هباءً. وأن فرصته لن تُغلق في وجهه لأنه لا يعرف الشخص المناسب. وأن القاعدة التي تحمي حقه هي نفسها التي تحمي حق غيره. عندها فقط يبدأ المجتمع في استعادة شيء ثمين لا يمكن لأي واسطة أن تمنحه.
الثقة في عدالة الطريق.





