
يا صاحب المال
كتبت : أسماء شبيب
قال الله في كتابه العزيز محكم التنزيل :
«زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ». سورة آل عمران آية ١٤.
تأمل بناء الآية، جاء الفعل مبنيا للمجهول “زُيِّنَ” وفيه إشارتان عظيمتان:
الأولى: أن المُزيِّن هو الله سبحانه، ابتلاء واختبارا لعباده.
والثانية: أن هذه الشهوات مجرد زينة، والزينة بطبعها زائلة لا تدوم.
فلو تأملت مفردات هذه الزينة لوجدتها لا تخرج عن ستة:
النساء، والبنين، والمال بأنواعه من ذهب وفضة، والخيل المسومة، والأنعام على اختلافها، والأرض وما فيها من حرث وزرع.
والمُلاحَظ أن شيئا منها لا يبقى، كلها إلى فناء، كالإنسان تماما.
والعجيب كل العجب أن يعيش الإنسان يظن الخلود لنفسه، ويتعلق بما هو فانٍ، ولا باقي إلا وجه الله جل جلاله.
والقرآن لم ينكر وجود هذه الفتن في قلب الإنسان، بل أقرها وبيّنها، لكنه في الوقت ذاته أكد لنا حقيقة عظيمة: أن التمكين الحقيقي في الأرض لا يُعطى بكثرة المال أبدا.
انظر إلى من مكنهم الله:
١- سليمان عليه السلام: لم يبلغ التمكين بماله، بل بدعوة مستجابة طلب فيها ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فسخر الله له الإنس والجن والطير والريح، سلطان رباني لا سلطان مال.
٢- طالوت: مكنه الله لا بماله، بل بما آتاه من بسطة في العلم والجسم: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}.
٣- يوسف عليه السلام: كان تمكينه بالحكمة وحسن التدبير، وإدارة الموارد وتخزينها لوقت الشدة، فأنقذ أمة من الهلاك.
٤- ذو القرنين: بلغ مشارق الأرض ومغاربها لأنه أخذ بالأسباب التي آتاه الله إياها: {وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا} فمكنه علمه وعدله من بناء السد الذي لا يُفتح إلا بأمر الله.
وفي المقابل، انظر إلى من كان المال في قلبه فصار عبدا له:
فرعون بسُلطانه،
وقارون بكنوزه،
وصاحب الجنتين بغروره ببستانه، والوليد بن المغيرة بماله وولده.
كل هؤلاء ذكرهم القرآن ليكونوا عبرة لنا.
الخلاصة أن المال في ميزان القرآن لم يكن يوما غاية، بل هو مجرد وسيلة لتسيير الحياة. لم يُخلق ليكون سوطا يُسلط على رقاب الفقراء، ولا أداة إذلال وتنكيل، ولا وسيلة تعسير وتضييق، ولا مجالا للتباهي والتفاخر على عباد الله.
نسأل الله أن يعافينا وإياكم من فتنة الشهوات، وأن يجعل الدنيا في أيدينا ولا يجعلها في قلوبنا.





