
خط باسمك قد يضعك خلف القضبان
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة للاتصال. بل أصبح جزءاً أساسياً من حياة الإنسان اليومية. ترتبط به حساباته ومعاملاته البنكية وخدماته الإلكترونية وبياناته الشخصية. ولذلك فإن أى خط هاتف يُسجَّل باسم المواطن لا ينبغى أن يُنظر إليه باعتباره رقماً عابراً. لأن المسؤولية القانونية قد تبدأ من مجرد تسجيل الإسم. بينما قد يكون صاحب الإسم نفسه لا يعلم شيئاً عن الخط. ولا عن مستخدمه. ولا عن النشاط الذى يُمارس من خلاله.
وهنا تبرز قضية شديدة الخطورة تستحق أن تتوقف أمامها الجهات المعنية. وأن يُنظر إليها باعتبارها قضية حماية للمواطن قبل أن تكون مجرد إجراء تنظيمى لشركات الإتصالات. فقد تداولت وسائل التواصل الاجتماعى خلال الفترة الماضية واقعة طالب شاب قيل إنه فوجئ بحكم قضائى قاسٍ بلغ خمسة وعشرين عاماً فى قضية إرتبطت بخط هاتف مسجل باسمه. بينما كان يؤكد أنه لا يعلم عن هذا الخط شيئاً. ومهما كانت التفاصيل القانونية الكاملة للقضية. ومهما إنتهت إليه إجراءات التقاضى. فإن مجرد تداول مثل هذه الواقعة يفتح أمام المجتمع سؤالاً بالغ الأهمية.
كيف يمكن أن يعرف المواطن أن هناك خطاً مسجلاً باسمه قبل أن يتحول هذا الخط إلى مشكلة قانونية؟
هذا هو السؤال الحقيقى.
الجهاز القومى لتنظيم الإتصالات إتخذ بالفعل خطوة مهمة من خلال تطبيق My NTRA، الذى يتيح للمواطن الإستعلام عن الخطوط المسجلة باسمه. من خلال خدمة (أرقامى). وهذه خطوة جيدة فى إتجاه حماية المشتركين والحد من الإستخدام غير المشروع للبيانات. لكن وجود الخدمة وحده لا يعنى أن كل مواطن يعرف بها. أو يستطيع إستخدامها بسهولة. أو يتذكر أن يدخل إلى التطبيق بصورة دورية ليتأكد من أن إسمه لم يُستخدم فى تسجيل خط لا يعرفه.
وهنا يأتى المقترح.
لماذا لا يكون هناك نظام تنبيه إلزامى وفورى لدى جميع شركات المحمول العاملة فى مصر. بحيث يحصل المواطن على رسالة نصية على خطه المعروف والمسجل باسمه. فور تسجيل أي خط جديد باستخدام بياناته؟ رسالة بسيطة قد تحمى إنساناً من مشكلة ضخمة. وقد تكشف فى لحظتها أن هناك خطاً يحمل إسم مواطن لم يعلم أصلاً بوجوده.
يمكن أن تكون الرسالة واضحة ومباشرة. على سبيل المثال: (تم تسجيل خط محمول جديد باستخدام بياناتك لدى شركة كذا. ورقم الخط هو كذا. إذا كان هذا الخط يخصك. فلا يلزمك إتخاذ أى إجراء. وإذا لم يكن يخصك. يرجى التوجه إلى أحد فروع الشركة لإتخاذ الإجراءات اللازمة وإلغاء الخط).
الفكرة هنا ليست تعقيد الإجراءات. ولا تحميل شركات الإتصالات أعباء لا ضرورة لها. وإنما هى وسيلة للوقاية قبل وقوع الضرر. فإذا كان المواطن قد إشترى الخط فعلاً. ووصل إليه التنبيه. فلا مشكلة. يقرأ الرسالة ويتأكد أن الأمر يتعلق بخط يخصه. أما إذا فوجئ بأن هناك خطاً باسمه لا يعرفه. فهنا تبدأ الحماية الحقيقية. يعرف المواطن بالمشكلة فى وقتها. ويتوجه إلى الشركة صاحبة الخط. ويطلب التحقق منه وإلغاءه وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.
وبذلك لا يظل المواطن آخر من يعلم.
وهذه هى النقطة الأخطر في القضية كلها. فالمشكلة ليست فقط في وجود خط غير معلوم. وإنما فى أن المواطن قد لا يعلم بوجوده أصلاً. بينما قد يكون شخص آخر يستخدمه في نشاط مخالف للقانون. وفى النهاية يظهر إسم المواطن فى سجلات شركة الإتصالات باعتباره صاحب الخط. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: لماذا ننتظر حتى تقع المشكلة؟ ولماذا لا نمنعها قبل أن تبدأ؟
إن التحول الرقمى الحقيقى لا يعنى فقط أن نقدم للمواطن تطبيقاً يستطيع من خلاله البحث عن بياناته. بل يعنى أيضاً أن تصل إليه المعلومة المهمة فى الوقت المناسب. من دون أن نطالبه بأن يكون خبيراً فى التطبيقات والخدمات الرقمية. أو أن يعرف كل خدمة تقدمها الجهات التنظيمية.
هناك مواطنون يستخدمون الهواتف الذكية بكفاءة كبيرة. وهناك آخرون لا يعرفون سوى إجراء المكالمات وإرسال الرسائل. وهناك كبار سن وأشخاص محدودو الخبرة بالتكنولوجيا. ومواطنون لا يعرفون أصلاً أن هناك خدمة تسمح لهم بالكشف عن الخطوط المسجلة بأسمائهم. فهل من المنطقى أن نطلب من كل هؤلاء أن يدخلوا بصورة دورية إلى تطبيق ليتأكدوا من أن أحداً لم يستخدم بياناتهم فى تسجيل خط؟
الأكثر عدلاً ومنطقية أن تصل المعلومة إلى المواطن بدلاً من إنتظار أن يبحث هو عنها.
إن شركات الإتصالات تمتلك قدرات تقنية متقدمة. وتسجيل الخط الجديد يتم من خلال أنظمة وبيانات محددة. لذلك فإن دراسة إنشاء نظام تنبيه تلقائى عند تسجيل أى خط جديد باسم المواطن تبدو فكرة جديرة بالدراسة من الجهاز القومى لتنظيم الإتصالات وشركات المحمول. باعتبارها إجراءً وقائياً يضيف طبقة جديدة من الحماية للمواطن.
والأهم أن هذا النظام لا ينبغى أن يرتبط بعدد الخطوط التى يمتلكها المواطن. سواء كان المواطن يمتلك خطاً واحداً فقط. أو عدة خطوط. فإن تسجيل أى خط جديد باسمه يجب أن يترتب عليه تنبيه واضح يصل إلى أحد خطوطه الموثقة مسبقاً. وفق آلية تحمى خصوصيته وتمنع إساءة إستخدام بياناته.
ولا ينبغى كذلك أن تكون الرسالة مجرد إشعار عابر يمكن تجاهله. بل يجب أن تحمل معنى قانونياً ووقائياً واضحاً: (هذا الخط سُجّل باستخدام بياناتك. إذا كان لك، فلا إجراء مطلوب. وإذا لم يكن لك. بادر بالتوجه إلى الشركة لإتخاذ الإجراءات اللازمة).
هذه الرسالة قد تستغرق ثوانى فى قراءتها. لكنها قد توفر على مواطن سنوات من المعاناة. وقد يكون من المفيد أيضاً أن تُتاح للمواطن وسيلة إلكترونية سهلة للإبلاغ عن الخط غير المعلوم. مع إثبات تاريخ علمه به وتسجيل طلبه لدى الشركة. فوجود تاريخ واضح لإبلاغ المواطن. ثم تاريخ واضح لإبلاغ الشركة باعتراضه على الخط. يمكن أن يكون عنصراً مهماً فى حماية حقوقه إذا تطورت الأمور لاحقاً إلى نزاع.
وهنا يجب أن نكون واضحين. المقصود ليس إعفاء أى شخص من المسؤولية إذا ثبت أنه إشترى خطاً باسمه ثم تركه لشخص آخر. أو سمح باستخدامه بصورة غير قانونية. المقصود هو حماية الإنسان الذي لم يعلم أصلاً بوجود الخط. ولم يكن طرفاً فى إستخدامه. ولم تتح له فرصة حقيقية لمعرفة أن بياناته إستُخدمت فى تسجيله.
فالعدالة لا تعنى فقط محاسبة المخطئ. وإنما تعنى أيضاً ألا يُترك البريء فى الظلام حتى يفاجأ بعواقب شيء لم يعلم عنه شيئاً.
إن الوقاية فى مثل هذه الحالات أقل كلفة بكثير من معالجة آثارها بعد وقوعها. رسالة واحدة قد تمنع أزمة. وإشعار واحد قد يكشف خطاً مجهولاً. وتنبيه واحد قد يدفع المواطن إلى إلغاء خط قبل أن يُستخدم فى مخالفة.
ومن هنا أطرح هذا المقترح أمام الجهاز القومى لتنظيم الإتصالات وشركات المحمول العاملة فى السوق المصرية. وأدعو إلى دراسة إلزام شركات الإتصالات بإرسال تنبيه فورى إلى المواطن عند تسجيل أي خط جديد باستخدام بياناته. مع وضع آلية واضحة وسريعة للإعتراض والإلغاء. وتوثيق تاريخ الإبلاغ والإجراء الذى إتخذه المواطن.
فالمواطن لا يجب أن يعرف أن هناك خطاً باسمه بعد أن يصبح الخط قضية. يجب أن يعرف قبل ذلك.
ولا ينبغى أن يكون إكتشاف المواطن لإستخدام إسمه فى تسجيل خط مرتبطاً بالصدفة. أو ببحث متأخر داخل تطبيق. أو بمشكلة قانونية وقعت بالفعل. حماية البيانات ليست رفاهية. وحماية المواطن من سوء إستخدام بياناته ليست خدمة إضافية. وإنما هى مسؤولية مشتركة بين الجهات التنظيمية وشركات الإتصالات والمواطن نفسه.
وإذا كانت التكنولوجيا قادرة على أن تعرف فى اللحظة نفسها أن خطاً جديداً قد سُجّل باسم مواطن. فإن أبسط قواعد الحماية أن يعرف المواطن أيضاً.
قبل أن يستخدم الخط شخص آخر. وقبل أن تبدأ المشكلة. وقبل أن يصبح إسم المواطن حاضراً في قضية لا يعرف عنها شيئاً.





