
بقلم : عمر آل سعديه
تُقاس حضارات الأمم ومدى تحضر مجتمعاتها بمدى رعايتها للفئات الأكثر ضعفاً وحاجة، وفي مقدمة هؤلاء “المريض” الذي يسلم جسده وروحه للطبيب بحثاً عن الشفاء. ولأن مهنة الطب هي رسالة إنسانية نبيلة، فقد أحاط المشرع المصري المريض بسياج من الحماية الجنائية الصارمة، ولم يترك حقه في السلامة الجسدية أو الخصوصية الفردية عرضة للتهاون أو العبث.
تتبلور هذه الحماية الجنائية في المنظومة التشريعية المصرية عبر ثلاثة محاور أساسية، مدعومة بالنصوص العقابية الصريحة وقانون تنظيم المسئولية الطبية وسلامة المريض:
أولاً: المسئولية عن الخطأ الطبي والإهمال (حصانة الجسد)
لا يعفي القانون الطبيب من العقاب إذا ما حاد عن الأصول العلمية المستقرة للمهنة، حيث واجه المشرع الخطأ الطبي بجرعات عقابية تتناسب مع حجم الجرم:
الخطأ الطبي العادي: في حال حدوث خطأ مهني معتاد، يواجه الممرض أو الطبيب عقوبات مالية رادعة تتمثل في غرامة تتراوح بين 10,000 إلى 100,000 جنيه مصري.
الخطأ الطبي الجسيم: إذا ثبت أن هناك إخلالاً جسيماً بأصول المهنة (مثل إجراء جراحة دون أدنى استعدادات، أو العمل تحت تأثير مسكر)، تغلظ العقوبة لتصل إلى الحبس من سنة إلى 5 سنوات، بالإضافة إلى غرامة مالية ضخمة تتراوح بين 500,000 إلى 2,000,000 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
الوفاة أو العاهة المستديمة: لم يقف قانون العقوبات المصري مكتوف الأيدي أمام الأخطاء التي تودي بحياة المرضى أو تسبب لهم عاهات مستديمة؛ حيث استند القضاء إيجاباً إلى المادتين (238) و(244) من قانون العقوبات المتعلقين بالقتل الخطأ والإصابة الخطأ، لتصل عقوبة المتسبب في وفاة مريض بخطأ طبي جسيم إلى الحبس المشدد الذي قد يصل إلى 5 سنوات.
ثانياً: جريمة إفشاء الأسرار (قدسية الخصوصية)
إن علاقة المريض بطبيبه تقوم في جوهرها على الثقة المطلقة؛ فالمريض يبوح بأسرار قد لا يشاركها مع أقرب الناس إليه. لذلك، وضع المشرع المصري خطاً أحمر حول هذه الأسرار.
نصت المادة (310) من قانون العقوبات المصري صراحة على حظر إفشاء أسرار المريض من قِبل الأطباء، الجراحين، الصيادلة، أو القوابل، والتي أؤتمنوا عليها بحكم مهنتهم أو وظيفتهم، وجعلت من هذا الفعل جريمة معاقباً عليها، إلا في الأحوال التي يصرح بها القانون ضمناً (كالإبلاغ عن الأمراض المعدية أو الأوبئة لحماية المجتمع). ناهيك عن إهانة المريض أو التحرش به والمعاملة غير الإنسانية فقط لأنه لجأوا إلى تلقى خدمة من مستشفى حكومى أو مدعمه



