
الانجذاب..وعلماء الاجتماع
بقلم..مروة فؤاد
: الانجذاب كسؤال
ليس الانجذاب مجرّد ميلٍ عاطفي عابر، بل هو فعلٌ أنطولوجي يكشف عن البنية العميقة التي تُعرّف بها الذاتُ نفسَها في مواجهة العالم. حين ننجذب إلى شيءٍ أو شخص، فإننا نُعلن — من حيث لا ندري — عن تصوّرنا للقيمة، وعن النموذج الذي نراه جديرًا بأن يُقتدى. والسؤال الذي يفرضه عصرنا ليس: *إلى من ننجذب؟* بل: *من صاغ فينا معيار الانجذاب؟*
هنا تتحوّل المسألة من اختيار فردي إلى إشكالية اجتماعية-فلسفية، تستدعي أن نضع أصابعنا على الجرح الذي وصفه **غي ديبور** حين قال إنّ الحياة برمّتها قد انقلبت إلى «تراكم هائل من الفُرجات»، وإنّ كل ما كان معيشًا مباشرةً قد تحوّل إلى تمثيل.
–
أولاً: مجتمع الفرجة وصناعة الوهم
في كتابه *مجتمع الفرجة* (1967)، يقرر ديبور أنّ الإنسان المعاصر لم يَعُد يعيش تجربته، بل يستهلك صورتها. اللاعب الذي يركض على العشب، والسياسي الذي يخطب أمام الكاميرات، كلاهما تحوّل إلى **محاكاة** بتعبير **جان بودريار** — أي إلى نسخة بلا أصل، وإلى علامة تشير إلى ذاتها في حلقة مفرغة من الدلالة.
الانجذاب إلى هؤلاء ليس انجذابًا إلى جوهر، بل إلى **سطحٍ مُضاء**. إنّنا ننجذب إلى الصورة التي تُنتجها لنا صناعة الترفيه والإعلام، لا إلى الإنسان. وهكذا يصبح الانجذاب فعلًا **مُستلبًا**، تُمارَس فيه علينا ما يسمّيه **بيير بورديو** بـ«العنف الرمزي»: فرضٌ ناعمٌ لمعايير القيمة دون أن نشعر بأنّها مفروضة.
ثانيًا: السيولة التي تُذيب الروابط
يُضيف **زيغمونت باومان** بُعدًا آخر في تحليله لـ«الحداثة السائلة». في عالمٍ سائل، تصبح العلاقات — بما فيها علاقة الانجذاب — قصيرة الأمد، استهلاكية، قابلة للاستبدال. ننجذب اليوم إلى لاعب، وغدًا إلى مؤثر، وبعد غدٍ إلى سياسي جديد يعدنا بالخلاص. هذا الانجذاب المتقلّب ليس دليل حرية، بل هو — في نظر باومان — **عجزٌ عن بناء التزام حقيقي**، وعن الدخول في علاقة تُغيّرنا من الداخل.
الانجذاب السائل لا يُغذّي، بل يُفرّغ. إنه يُبقي الذات في حالة جوعٍ دائم دون أن تُشبع، لأنّ موضوعه ليس سوى ومضة عابرة في شاشة.
ثالثًا: صناعة الثقافة وتزييف الحاجة
كان **تيودور أدورنو** و**ماكس هوركهايمر** قد كشفا في *جدل التنوير* (1944) كيف أنّ «صناعة الثقافة» تُحوّل الوعي الجمعي إلى وعيٍ استهلاكي. الانجذاب إلى نجوم الرياضة والسياسة ليس اختيارًا حرًّا، بل هو **مُنتَج** صُنِع بعناية في مختبرات التسويق والإعلام، ليصرف الإنسان عن السؤال الحقيقي: *من أنا؟ وما الذي أنمو نحوه؟*
أدورنو يرى أنّ هذا الانجذاب المُصنَّع هو شكلٌ من أشكال **التنويم الاجتماعي**: يُمنح الوهمُ للجمهور كي لا يسأل عن البنية التي تُفقده إنسانيته.
رابعًا: من نمط «الامتلاك» إلى نمط «الكينونة»
هنا تبرز الحاجة إلى قطيعة فلسفية. **إريك فروم** في *الكينونة والامتلاك* (1976) يميّز بين نمطين للوجود:- **نمط الامتلاك**: أن أستهلك الآخر، أن أجعله موضوعًا لفرجتي، أن أمتلئ بصورته دون أن أتغيّر. هذا هو انجذابنا إلى اللاعب والسياسي: امتلاكٌ بصري لا يُغذّي.
– **نمط الكينونة**: أن أدخل في علاقة تُغيّرني، أن أنجذب إلى من يُوقظ فيَّ سؤالًا، من يفتح لي أفقًا، من يُنمّي فيَّ قدرةً كنت أجهلها.
الانجذاب الحقّ — في منظور فروم — ليس انجذابًا إلى *صورة*، بل إلى **فعل**. ليس إلى من يُبهرنا، بل إلى من **يُربّينا**.
خامسًا: الفيلسوف المعاصر و الانجذاب
**بيونغ تشول هان**، الفيلسوف الكوري-الألماني، يكتب في (2012) أنّ الإيروس المعاصر قد مات، لأنّه تحوّل إلى استهلاكٍ للذات عبر الآخر. الانجذاب اليوم — في نظره — نرجسيّ: ننجذب إلى من يُشبهنا، إلى من يُؤكد لنا ما نعرفه، لا إلى من يُقلقنا ويُزعزع يقيننا.
ما نحتاجه — يقول هان — هو **الآخر المختلف** الذي يُجبرنا على التفكير، لا الذي يُريحنا بالفرجة. نحتاج إلى من يُغذّي فينا **القدرة على السلب**، على قول «لا» للمنظومة، لا من يُعلّمنا أن نصفّق.
سادسًا: نحو انجذابٍ مُغذٍّ — من يُطعم العقل؟
إذا كان **ابن خلدون** قد جعل «العصبية» رابطةً تُبنى على المعنى المشترك لا على الدم، فإنّ الانجذاب الذي نحتاجه اليوم هو انجذابٌ إلى **المعنى**. نحتاج إلى:
– **المُفكّر** الذي يُعلّمنا أن نشكّ قبل أن نُصدّق.
– **المُربّي** الذي يُنمّي فينا السؤال لا الجواب.
– **الفنّان** الذي يكشف لنا طبقات الوجود لا يُزيّنها.
– **الإنسان العادي** الذي يُمارس فضيلته في صمت دون أن يطلب فرجة.
هذا الانجذاب ليس سلبيًّا؛ إنه **فعلُ تلمذة**. أن تنجذب إلى من يُغذّيك يعني أن تعترف بنقصك، وأن تقبل أن تُغيَّر. وهذا — كما يقول **بول ريكور** — هو جوهر السرد الذاتي: أن نقبل أن نكون **قصةً يُعيد الآخرُ كتابتها*
خاتمة: الانجذاب كفعل مقاومة
إنّ إعادة توجيه الانجذاب ليست ترفًا فكريًّا، بل هي **فعل مقاومة** ضدّ منظومةٍ تريدنا متفرّجين لا فاعلين، مستهلكين لا مُنتجين، مُصفّقين لا سائلين.
حين نكفّ عن الانجذاب إلى من يُبهر أجسادنا بصورته، وننجذب إلى من يُغذّي عقولنا بفكره، فإننا نخرج — بتعبير **كانط** من «القصور الذي تسبّبنا فيه بأنفسنا» بوصفه شجاعة استعمال العقل.
الانجذاب الحقّ ليس أن تُعجَب بمن هو أعلى منك على الشاشة، بل أن تنجذب إلى من **يُمدّ لك يدًا لتصعد**. ليس فرجةً تُستهلك، بل **خبزًا يُؤكل ويُصبح جزءًا من دمك**.
*لا تسأل إلى من تنجذب، بل اسأل من الذي يجعلني، بعد أن ألقاه، أكثر إنسانية مما كنت*





