
حين يُختبر الوعي قبل الأسفلت
بقلم: خالد مراد
في السابع من يونيو عام 2021، وقفت مدينة كفر سعد محافظة دمياط أمام حدثٍ بدا في ظاهره مشروع تطوير لشارع من أهم شوارعها، لكنه في جوهره كان اختباراً حقيقياً لفكرة أعمق من مجرد رصف طريق أو تحسين إنارة أو إعادة تخطيط محور مروري.
افتُتح شارع الثورة وشارع المحكمة بعد تطوير شامل بلغت تكلفته نحو 13 مليون جنيه، في مشروع كان يُفترض أن يضع المدينة على مسار حضاري جديد، ويعيد تشكيل علاقتها بالمجال العام، ويمنح أهلها حقاً طال انتظاره في شارع يليق بالإنسان قبل أن يليق بالمركبة.
لم يكن المشروع مجرد بنية تحتية، بل رؤية متكاملة هدفت إلى: تحقيق السيولة المرورية، تطوير شبكة الطرق والمرافق، رفع كفاءة الإنارة، إنشاء أرصفة آمنة، تحسين الجزيرة الوسطى، تنفيذ منظومة لصرف مياه الأمطار، وإعادة صياغة الشكل الحضاري لمدخل المدينة وواحد من أهم شوارعها الحيوية.
وفوق ذلك كله، كان هناك هدف إنساني لا يقل أهمية: أن يتحول شارع الثورة إلى ممشى حضاري ومتنفس لأهالي كفر سعد، في مدينة تفتقر إلى الحدائق العامة والمساحات الترفيهية، ليكون الشارع مساحة للحياة لا مجرد ممر للحركة.
لكن بعد خمس سنوات فقط، يطفو سؤال ثقيل على السطح:
ماذا تبقى من هذا المشروع؟
وكيف تحولت 13 مليون جنيه إلى واقعٍ يشكو منه كثير من الأهالي، بعد أن كان يُفترض أن يصنع تحولاً حضارياً مستداماً؟
لقد شهد الشارع خلال السنوات الماضية تراجعاً ملحوظاً في صورته الحضارية، وتبدلت ملامحه التي افتُتح من أجلها، حتى أصبح محل جدل واسع وشكاوى متكررة من المواطنين.
ومن أبرز ما أُثير خلال هذه الفترة أزمة تحول أجزاء من شارع الثورة إلى ساحات انتظار لشاحنات النقل الثقيل، وهو ما اعتبره كثيرون خروجاً صريحاً عن فلسفة المشروع وأهدافه، وتسويةً غير معلنة للشكل الحضاري الذي كان يُفترض الحفاظ عليه.
وتحولت القضية إلى مساحة من الجدل بين مؤيد يرى أن الأمر فرضته ظروف الواقع، ومعارض يرى فيه اعتداءً على حق المدينة في شارع حضاري وممشى عام.
وبين هذا وذاك، ضاعت الفكرة الأساسية: أن لهذا الشارع أهدافاً وحقوقاً وُضعت عندما أُنفقت الملايين من أجل تطويره.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد إلى شكاوى متزايدة من أهالي الشارع والمدينة، الذين شعروا بتراجع واضح في جودة الاستخدام الحضاري للمكان، وضيق المساحات المتاحة للمشاة، وتداخل الاستخدامات بشكل أفقد الشارع هويته التي صُمم من أجلها.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الحديث عن الإهدار لا يقتصر على البنية المادية وحدها، بل يمتد إلى إهدار الهدف ذاته.
هنا يبرز سؤال أكثر إيلاماً:
أين ذهبت أهداف المشروع قبل أن تضيع ملامحه؟
هل تكمن المشكلة في التنفيذ وحده؟ أم في منظومة أوسع تتعلق بالسلوك العام والوعي المجتمعي؟
قد يكون من السهل توجيه اللوم إلى الجهات التنفيذية، لكن من الصعب إنكار أن المواطن نفسه أصبح جزءاً من معادلة التراجع.
نعم… المواطن هذه المرة شريك في المشهد.
فالمشكلة لم تكن في تطوير الشارع فقط، بل في عدم تطوير السلوك الذي يحميه.
أنفقت الدولة ملايين الجنيهات على الحجر، لكنها لم تستطع وحدها أن تحمي الفكرة من التآكل السلوكي.
أنشأت الأرصفة، لكن لم تُصن ثقافة احترامها.
وطورت الطريق، لكن لم يُبن وعي كافٍ للحفاظ عليه.
وهنا تتجلى الأزمة الحقيقية: أننا نطالب بالتطوير ولا نحافظ عليه، ونطالب بالمشروعات ولا نصونها، وننتقد التراجع بينما نشارك أحياناً في أسبابه.
لقد أصبح المال العام عند البعض مفهوماً غائماً، بينما هو في الحقيقة ملك لكل مواطن، ومسؤولية كل فرد، وحق للأجيال القادمة لا يجوز التفريط فيه.
وشارع الثورة ليس استثناءً، بل مثالاً واضحاً على أزمة أوسع تتعلق بعلاقتنا بالمجال العام.
أزمة استبدلت ثقافة المسؤولية بثقافة اللامبالاة.
واستبدلت الإحساس بالحق العام بثقافة المصلحة الفردية.
حتى أصبح السؤال عن “من المسؤول؟”
أكثر حضوراً من السؤال عن “كيف نحمي ما تبقى؟”.
وفي قلب هذا الواقع، خسر الشارع جزءاً من وظيفته التي أنشئ من أجلها، وخسر الأهالي جزءاً من حقهم في متنفس حضاري، وخسر المشروع جزءاً من رسالته التي بُني عليها.
ومع ذلك، فإن القضية لم تنتهِ بعد، بل ربما بدأت من جديد من زاوية أخرى.
فهل نستطيع أن نعيد إلى المدينة رونقها الذي سبق عهدها، تلك المدينة التي لم تُترك للعشوائية، بل رُسمت ملامحها قبل أن يسكنها البشر، في تخطيط حضاري سبق زمانه؟
أم أننا سنظل نهدر كل ما هو جميل تحت وطأة المصالح الضيقة وغياب الوعي وتراجع السلوك الحضاري، ثم نعود لنطالب بحياة كريمة وتطوير حضاري لا نلبث أن نفرط فيه مرة أخرى؟
هل يمكن أن نطالب بالجمال ثم نحاربه بسلوكنا؟
وأن نطالب بالنظام ثم نشارك في إضعافه؟
وأن نطالب بالمشروعات ثم نفقد القدرة على حمايتها؟
إن المدن لا تفقد قيمتها من قلة المشاريع، بل من قلة الوعي.
ولا تتراجع بسبب نقص الإنفاق، بل بسبب ضعف السلوك الذي يحمي ما يُنفق.
وفي هذا السياق، فإن ما حدث لشارع الثورة لا يمكن قراءته كمجرد خلل في طريق، بل كمرآة تعكس علاقة المجتمع بمفهوم الدولة والمال العام والفضاء المشترك.
ولقد أصبح واضحاً أن معركة الحفاظ على الشارع لا تقل أهمية عن معركة إنشائه.
بل ربما تكون أصعب.
فقد شهد الشارع أزمة حقيقية حين تحول إلى باركنج لشاحنات النقل الثقيل في بعض مناطقه، ما أدى إلى تسوية جزء من طابعه الحضاري، وتراجع وظيفته كممشى ومتنفس عام، وسط حالة من الانقسام بين مؤيد ومعارض، دون أن يُعاد التذكير الكافي بالأهداف الأصلية التي أُنشئ من أجلها.
ومن هنا، فإن من حق أهالي كفر سعد أن يستعيدوا هذا الحق الحضاري، وأن يدافعوا عن شارعهم، وأن يطالبوا بإعادة الاعتبار له كممشى حضاري ومتنفس اجتماعي يليق بهم، لا كمجرد مساحة استخدام عشوائي.
فالحفاظ على المشروع لا يقل قيمة عن إنشائه، وصيانة المكتسبات لا تقل أهمية عن تحقيقها.
ويبقى السؤال الذي يتجاوز شارع الثورة إلى ما هو أوسع وأعمق:
إننا نؤكد على هذه القضية اليوم لأن كفر سعد، كمركز، تشهد مشروعاً أكبر بكثير، مشروع “حياة كريمة” الذي تُنفق عليه مليارات لا ملايين، في محاولة لتغيير وجه الريف المصري بالكامل.
فهل سيُهدر هذا المشروع أيضاً كما أُهدر غيره من المكتسبات الجزئية؟
أم أننا سننجح أخيراً في تعلم السلوك الحضاري الذي يصنع الوجه الحقيقي للتطوير، ويحميه من الإهدار قبل أن يتحول إلى مجرد ذكريات؟
هل سنكون على قدر هذا التحدي التاريخي، أم سنكرر الدائرة ذاتها: تطوير ثم إهمال، إنجاز ثم تراجع، إنفاق ثم إهدار؟
أم أننا سنظل نبرر للخطأ ونستبيحه حين يخدم المصالح الشخصية، وننحي المصلحة العامة جانباً، حتى يصبح الإهدار أمراً معتاداً لا يثير فينا غضباً ولا يوقظ فينا ضميراً؟
إن الإجابة لا تتعلق بالمشروعات وحدها، بل بالإنسان الذي يعيش داخلها.
فإذا استطعنا أن نرتقي بالسلوك قبل البنية، سنحمي كل ما يُبنى، مهما كان حجمه أو كلفته.
أما إذا بقي الوعي متأخراً، فستظل كل المشروعات، مهما عظمت، عرضة للتآكل البطيء من الداخل.
ولعل الشاهد ليس ببعيد، فالفارق الزمني بين إنشاء مدينة كفر سعد ومدينة دمياط الجديدة، وما بينهما من تفاوت في مستوى التطور والانضباط العمراني، يظل دليلاً واضحاً على أن الوعي المجتمعي هو الفارق الحقيقي الذي يصنع الفرق بين مدينة تحافظ على مكتسباتها وأخرى تتراجع رغم ما يُنفق عليها.





