أدبأدب وشعرالثقافة والفنونثقافةخاطرةفنفنونمجلة الأديب العربيمقالات

غرباء جمعتنا شاشة إلكترونية

غرباء جمعتنا شاشة إلكترونية.. حين تلتقي الأرواح قبل الوجوه

بقلم: باهر رجب

غرباء – في زمن تسارعت فيه عقارب الحياة، و تباعدت فيه المسافات بين القلوب رغم تقاربها في الجغرافيا، ولدت ظاهرة إنسانية عجيبة، لم يعرفها الأجداد من قبل، ولم تخطر على بالى شاعر قديم أن يصفها في قصيدة. ظاهرة صنعتها شاشة صغيرة مضيئة، تحملها أكفنا في كل لحظة، فجمعت تحت ضوئها الخافت أرواحا متناثرة في أصقاع الأرض، لتنسج بينها خيوطا من الود لا ترى بالعين، لكنها تحس في أعماق القلب.

هم غرباء بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لم تجمعهم قرية ولا مدينة، ولم يجلسوا يوما على مائدة واحدة، ولم يتبادلوا تحية في طريق أو مصافحة في لقاء. لا يعرف أحدهم ملامح الآخر تماما، ولا نبرة صوته، ولا طريقة مشيه، ولا تلك التفاصيل الصغيرة التي اعتدنا أن نتعارف بها في عالمنا القديم. ومع ذلك، فإنهم ليسوا غرباء تماما، لأن بينهم من الألفة ما يفوق أحيانا ألفة الجيران، ومن المودة ما يسبق أحيانا مودة الأقارب.

مقالات ذات صلة
غرباء
غرباء

غرباء..أرواح نقية مهذبة

أرواح نقية مهذبة، تجمعت في فضاء افتراضي واحد، كل منها يحمل على كتفيه حكاية لم يحكيها لأحد، وفي صدره جرحا لم يضمده طبيب، وفي ذاكرته فرحا يود أن يقاسمه مع من يفهمه. لكل واحد منا قصة ما, قصة قد تكون حلوة كزهرة ربيع، أو مرة كدمعة في ليل طويل، أو متشابكة كخيوط حياة لم تكتمل فصولها بعد. ولأن الإنسان بطبعه كائن يبحث عن مرآة تعكس ما بداخله، فقد وجد في هذه الشاشة مرآة عجيبة، تريه نفسه في عيون آخرين، و تسمعه صدى مشاعره من أفواه لم يراها قط.

نمر من جانب بعضنا كما يمر المسافرون في محطة قطار كبرى، كل منا في طريقه، لكن نظرة عابرة، أو كلمة مكتوبة، أو تعليقا قصيرا، كفيلة بأن توقفنا لحظة و نتأمل. ليست تلك المرور مرور غافلين، بل هو مرور من يلتقط في الطريق وردة، أو يستمع إلى أنين غريب فيقف ليواسيه. هكذا هي طبيعة هذه اللقاءات الإلكترونية، سريعة في ظاهرها، عميقة في باطنها، عابرة في الزمن، باقية في الأثر.

السيرة الذاتية: باهر رجب

غرباء الحرف

و نتفاعل مع حروف تلامس أرواحنا، وكأنها أنامل خفية تطرق أبواب قلوبنا المغلقة. ما أعجب الحرف حين يخرج من قلب صادق! يطير عبر الأسلاك والموجات، و يعبر البحار و القارات، ليستقر في قلب قارئ بعيد، فيحدث فيه ما لا تحدثه كلمة منطوقة أحيانا. الحرف المكتوب يحمل من الصدق ما يفضح كاتبه، فالكاذب يفتضح في سطره، و الصادق يعرف من نبرة كلامه، و المتألم تنزف كلماته دما، والفرح تتراقص حروفه على الصفحة كأنها تغني.

نفرح سويا حين يأتي خبر سعيد من أحدنا، نجاح في عمل، أو شفاء بعد مرض، أو مولود جديد، أو حلم تحقق بعد طول انتظار. ترتفع التهاني، و تتدفق كلمات المباركة، و كأن فرح الواحد منا قد صار فرحا للجميع. عجيب أمر القلب البشري، كيف يتسع ليفرح لأناس لم يرهم، وكيف ينبض بالسعادة لأحلام غرباء صاروا في لحظة أقرب من قريبين.

و نحزن سويا حين تنزل غيمة سوداء على أحدنا. فقد عزيز، أو خيبة أمل، أو وعكة صحية، أو ليل طويل من القلق. وما إن تكتب تلك السطور المثقلة بالألم، حتى تتسابق الأرواح في المواساة، و تتدفق كلمات العزاء كنهر هادئ يغسل الجراح. لا أحد يسأل عن جنسية الحزين، ولا عن دينه، ولا عن مذهبه، ولا عن لونه، فالحزن لغة يفهمها كل قلب نقي، و الدمعة محلها واحد في كل العيون.

اقرأ أيضا

 

غرباء الفطرة

و نتألم معا حين يلسع أحدنا سوط القدر، أو حين يطعنه أقرب الناس، أو حين تنكسر في يديه آخر قشة أمل. وفي تلك اللحظة، تنفتح أبواب القلوب على مصاريعها، وينسى كل واحد منا همومه الخاصة، ليحمل معه هم أخيه الذي لم يلتقيه، وأخته التي لم يعرفها. هنا، في هذه الشاشة الصغيرة، يتجلى أعظم ما في الإنسانية، تلك القدرة الإلهية على التعاطف، تلك الرحمة التي زرعها الله في الفطرة، والتي لا تحتاج إلى وجه معروف لتفيض.

نواسي بعضنا بكلمة، بآية من ذكر الله، ببيت شعر، بدعوة صادقة في جوف الليل. وما أعظم المواساة حين تأتي من قلب لا ينتظر مقابلا، ومن يد لا تمتد لتأخذ، بل لتمسح دمعة عن خد بعيد! إن المواساة الافتراضية، رغم بساطتها، تحمل من الصدق ما يفوق أحيانا مواساة الحاضرين، لأنها مواساة لا تخالطها مجاملة، ولا يشوبها رياء، ولا يقف خلفها مصلحة خفية.

 

عواطف صادقة

لم نلتقى بالوجوه، نعم، لم تتعرف عيوننا على ملامح بعضنا، ولم تسمع آذاننا أصوات بعضنا الحقيقية، ولم تصافح أكفنا أكفا أخرى. لم نجلس معا في مقهى، ولم نتشارك كوب شاي، ولم نمشي معا في طريق. كل ما نعرفه عن بعضنا هو ما اختار كل منا أن يكشفه، وكل ما رأيناه هو الجانب الذي أراد كل منا أن يريه. ومع ذلك، فإن هذه المعرفة المنقوصة، هذه الصورة الناقصة، كانت كافية لأن تنبت بيننا روابط حقيقية، و عواطف صادقة، ومشاعر لا تقل عن تلك التي تنشأ في عالم الواقع.

لكننا التقينا بالحروف، والحرف، يا سادتي، هو روح الإنسان مجسدة على ورق. حين تقرأ كلمات إنسان، فأنت لا تقرأ حبرا على بياض، بل تقرأ عقله، وقلبه، وتجربته، و انكساراته، و أحلامه. الحرف أصدق من الوجه أحيانا، فالوجه قد يبتسم والقلب يبكي، أما الحرف الصادق فإنه ينزف ما في الداخل دون قناع. ولذلك، فإن من التقى بحرفك، فقد التقى بك أنت، بحقيقتك التي ربما لا يعرفها أقرب الناس إليك.

 

الختام

في النهاية، تبقى هذه الشاشة الإلكترونية معجزة من معجزات هذا العصر، لم تكتفى بأن تنقل لنا الأخبار والمعلومات، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، فنقلت لنا الأرواح و القلوب. جمعت تحت سقفها الافتراضي شعوبا وقبائل و أمما، و أذابت الحدود بين الغرباء، وحولت المسافات البعيدة إلى نقرات أصابع. و علمتنا درسا بليغا: أن الإنسانية الحقيقية لا تحتاج إلى وجوه متقابلة، ولا إلى أيدي متشابكة، بل تحتاج فقط إلى قلوب نقية، و أرواح صادقة، و حروف تخرج من القلب.. لتصل إلى القلب.

فيا أيها الغرباء الذين جمعتنا شاشة إلكترونية، يا من صرتم في حياتي اصدقاء لم التقى بهم، وإخوة لم أرى وجوههم، و أخوات لم أسمع أصواتهن.. سلام على أرواحكم النقية، وتحية لقلوبكم الصادقة، وامتنان لحروفكم التي لامست روحي يوما، فجعلتني أؤمن من جديد.. أن الخير في الناس باقى، وأن الإنسانية بخير، وأن الأرواح الطيبة تجد بعضها.. ولو من خلف شاشة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى