
قصة قصيرة من مجموعتى القصصية صدى الارواح
بقلم / أحمد درويش العربى
لم يكن المكان غرفة، ولم تكن الجدران حقيقية.
كان يجلس هناك، في مساحة الورق البيضاء بين الكلمات التي لم تُكتب بعد، يحدق في فراغ الصفحة كما لو أنه يرى فيها شبحه.
لسنواتٍ، عاش متوافقا مع شخصياته التى يوظفها وقتما شاء وكيفما شاء.
كان يناديهم كما ينادي الأصدقاء، يتجادل معهم، يقتل بعضهم، ويحيي آخرين بجملة
لكن اليوم، هناك شيء ما مختلف قد حدث .
صمتٌ ثقيل.
شخصياته لا تستجيب.
نادى على البطل… لم يظهر.
صرخ في وجه الحبيبة… تجاهلته.
حتى الشرير كان يتثاءب، ويسأله إن كان من الممكن أن يلعب أى دور أخر غير دور الشرير.
“ما الذي يحدث“؟
—أنتم من خيالي. أنا من أكتبكم !
جاءه صوت داخلي يسخر منه:
—وهل تظن أن الخيال مطيع دائما؟
هربت جميع الشخصيات إلى زوايا المشهد الذي لم يُكتب.
كل شخصية تطلب دوراً مختلفاً، ترفض مصيرها، بل وتلعن الكاتب الذي أراد لها أن تكون أداة، لا كياناً.
لم يبقَ أحد.
لم يبقَ سوى هو… و بياض الورق .
ومن ذلك البياض ، قرر أن يكتب رواية لا تحتاج بطلاً، أو ربما… يكون هو البطل.
جلس على الكرسي الوحيد وسط قاعة بلا جدران، بلا سقف، بلا زمن. لا شيء يحيط به إلا ضباب من أفكار قديمة، وجمل مبتورة، وبقايا مسودات.
فجأة… بدأت المقاعد تُمتلأ.
شخصياته، الواحدة تلو الأخرى، بدأت فى التحرك ثم جلست في صمتٍ غريب. لم تنظر إليه. لم تبتسم.
بطل رواياته الدائم كان أول من تكلم:
—أنا آسف… لا أستطيع أن أكون ما تريده مني.
رفع الكاتب حاجبيه:
—ما الذي تقصده؟! أنت البطل ، القصة كلها تُبنى عليك!
رد البطل بنبرة هادئة:
—وهنا تكمن المشكلة ، أنت لم تسألني إن كنت أصلح لذلك الدور.
أنا لا أريد إنقاذ أحد، ولا أريد حمل عبء النهاية.
أريد فقط أن أعيش مشهدي الأول وأختفي.
تدخلت الحبيبة فى الحديث ، كانت تجلس إلى يمينه، وقد قطّبت حاجبيها.
—وأنا؟
—ماذا عنك ؟
—جعلتني مجرد دافع لحزن البطل ، وسيلة لتحفيزه ، أنت لا تراني إنسانة، بل حدثاً مأساوياً يصير محفزا للبطل.
قال الكاتب مذهولًا :
—لكن هذه هي الحكاية! تحتاجون جميعًا للعب أدواركم كي تمضي القصة وتتم الفكرة .
قهقه الشرير من آخر القاعة :
—كي تمضي؟
أم كي نظل معلقين فيها إلى الأبد؟
—وماذا عنك انت ايضا ما مشكلتك ؟
—مشكلتى انك كل مرة تجعلني شريراً، لمجرد أنني أعارضك.
هل حاولت مرة أن تكتبني كضحية؟
صمت الجميع ، الكاتب شعر بشيء ما ينهار داخله .
قام من مقعده. دار حول الطاولة، يحدق في الوجوه التي خلقها… والتي لم تعد تطيعه.
قال بصوت مكسور وقلب أشد إنكسارا.
— “وماذا تريدون“؟
تريدون أن أكتب رواية بلا بطل؟
بلا حبيبة؟
بلا شرير؟
بلا أحداث؟
ردّت شخصية مجهولة، من الزاوية البعيدة من عقله :
—ربما عليك ان تحاول كتابة رواية صادقة لأول مرة.
رواية عنك أنت .
تجمد الكاتب ، لم يكن قد رأى تلك الشخصية من قبل ، لم يكن يتذكر أنه خلقها
لكن وجهها… كان يشبهه هو .
همس لنفسه:
—من أنت؟“
أجابت الشخصية بابتسامة باهتة :
—أنا أنت.
أو بعبارة أكثر وضوحا ما تبقّى منك حين توقفت عن الكتابة الحقيقية.
سقط القلم. ساد صمت الحروف لم تعد تشكل الكلمات .
لم يعد أحد يتحدث.
الضباب الذهنى يتلاشى.
المقاعد تبخرت.
وظل هو وحده.
جلس أمام ورقته البيضاء من جديد.
لكنه هذه المرة لم يبحث عن بطل.
كتب اسمه. كتب فى أعلى الورقة أنا .
وبدأ الحكاية، لا كما أراد لها فى أول أمره .
بل كما شعرت نفسه فى نهاية الصراع مع الشخصيات التى كان يظن أنها أسيرة عنده .
كتب عن رجلٍ انشقَّت نفسه ، وتحولت إلى شخصيات كلها تشبهه.
ثم عاد ليكتب …
حيث لا أحد.
لا أحد غيره…
(( أنتهت ))





