
بقلم / أحمد درويش العربى
لم تكن ابتسامته سوى قناعٍ واهن، بالكاد يستر ما يتآكل في داخله؛ ابتسامة لا تمتُّ للرضا بصلة، بقدر ما كانت انعكاسًا ساخرًا لعبث الأقدار، تلك التي لا تكفُّ عن خداعه، غيرعابئةٍ بما يعتمل في صدره من انكسار.
خذلانٌ تسرَّب إليه من حيث لم يحتسب…
من أهلٍ حسبهم مأمنًا…
من رفيقٍ ظنَّه سندًا…
ومن قلبٍ آمن به يومًا…
لم يمضِ وقتٌ طويل منذ كان عقله وقلبه معًا يرفضان حتى تخيّل أن تأتيه الطعنة من أولئك الذين ظنَّهم الأقرب… فإذا بها تأتي، قريبةً إلى حدٍّ موجع.
جلس فريد على مقعدٍ خشبيٍّ مهترئ، أمام طاولة صغيرة بشقته بالكاد تتَّسع لبعض الأوراق، وكوب قهوةٍ بارد، وقلمٍ استلقى فوق الورق كأنّه، هو الآخر، أنهكه الغدر.
تجاوزت عقارب الساعة منتصف الليل بساعتين، ولم يطرق النوم باب عينيه.
أطلقت عيناه العنان لدموعٍ ظلَّ طويلًا يقاومها، وهو يتأمّل صورًا من ماضيه؛ صورًا مرَّت أمامه كأنها مشاهد لفيلمٍ دراميٍّ قاتم، يعرض حياة رجلٍ لم يخسر معاركه… بقدر ما خسر الذين ظنَّهم يومًا وطنًا.
في الصباح، ارتدى فريد ثيابه دون اهتمامٍ بتنسيقها أو حتى كيّها.
وكان حسام، صديقه في العمل، قد سأله ذات مرة:
— ما الذي غيّرك إلى هذا النقيض يا صديقي؟ كيف أصبحت رمزًا للعشوائية بعدما كنت رمزًا للأناقة؟
ابتسم فريد ابتسامةً باهتة، أشبه ببقايا ابتسامة على وجه رجلٍ أنهكه العمر، ثم قال:
— أنا لم أتغيّر يا حسام… أنا فقط رأيت الحقيقة.
— وأيّ حقيقةٍ تلك؟
تنهد فريد قليلًا قبل أن يجيب:
— هذا الهندام الذي نرتديه ليس سوى ستارٍ يواري سوءاتنا… لكن السوء الحقيقي لا يمكن ان تواريه الثياب، لأنه في النفوس التي امتلأت بالقبح حتى فاضت به أفعال البشر.
بعد أكثر من عشر سنوات…
وفي جلسةٍ جمعت عددًا من العاملين بالمؤسسة، كان حسام يقسم للجميع أن فريد رأفت، رئيس مجلس الإدارة، كان يومًا أقرب أصدقائه، بل كان شابًا خجولًا ومسالمًا.
ارتسمت الدهشة على الوجوه، وتبادلت العيون نظراتٍ ممتلئة بعدم التصديق.
فكل ما عرفوه عن فريد بيه رأفت لم يكن سوى:
القسوة…
التكبّر…
الصوت الحاد…
عدم المبالاة…
وعقوباتٍ لا تفرّق بين خطأٍ صغير وآخر جسيم.
وكان السؤال الذي صرخت به العيون قبل الألسنة:
— كيف تحوّل إلى هذا الرجل؟
وزّع حسام نظراته على الحاضرين ببطء، وكأنه يستمتع بحيرتهم، ثم قال بصوتٍ خافت:
— تحوّل فريد له حكاية طويلة… طويلة بامتداد عمره كله.
ثم شرد ببصره بعيدًا…
بعيدًا جدًا…
لم يكن ينظر إلى اللاشيء، بل إلى ماضٍ عاشه بنفسه؛
ماضٍ عرف فيه فريد ذلك الشاب المثالي الهادئ،
وماضٍ آخر شهد فيه البداية الحقيقية لتحوّل فريد رأفت… إلى الرجل الذي يجلس اليوم على ذلك الكرسي، وقد دفن داخله كل ما كانه يومًا.





