الأسبوع العربيالتكنولوجيا الحديثةمقالاتمنوعات

أطعمتنا المنصات شهوة… وتركَت العقل جائعًا

أطعمتنا المنصات شهوة… وتركَت العقل جائعًا

كتبت : نعمة حسن

ليست أخطر الكوارث تلك التي تهدم البيوت، بل تلك التي تهدم الإنسان من الداخل وهو يظن نفسه يتسلى.
وليست الفتنة الكبرى في زماننا أن يكثر الكلام، بل أن يكثر الكلام الذي يوقظ الغرائز ويُخدّر الفكر.
لقد قامت السوشيال ميديا، في كثير من وجوهها الأكثر انتشارًا وسطوة، على استدعاء الإنسان من أضعف مداخله، لا من أشرفها؛ فخاطبت فيه غريزة الأكل حتى صار الطبق عرضًا يوميًا، والمضغ محتوى، والشره بطولة، والامتلاء صناعة. وخاطبت فيه غريزة الجسد حتى صار الجسد مشروع عرضٍ لا ينتهي، وصارت الإثارة عملة رائجة، وصار الحياء عند بعضهم تهمة، والستر تخلفًا، والوقار خسارة في سوق المشاهدات.
أما العقل، ذلك الذي به يعلو الإنسان على مجرد الاندفاع، فقد تُرك في الزاوية البعيدة، جائعًا، صامتًا، غريبًا في زمن الضجيج.
وهنا يجب أن نقف عند الحقيقة الفاصلة:
العقل ليس غريزة.
الغريزة تدفع.
أما العقل فيُمحّص، ويزن، ويردع، ويفصل، ويهذب، ويؤجل اللذة إذا كانت مهينة، ويرفض الاندفاع إذا كان مذلًا، ويقول للإنسان: ليس كل ما تشتهيه يرفعك، وليس كل ما يجذبك ينفعك، وليس كل ما يُشاهَد يستحق أن يُتبع.
ومن هنا كانت المأساة الحديثة أعظم مما نظن؛ لأن المنصات لم تكتفِ بعرض ما يوافق الشهوة، بل صاغت بيئة كاملة تجعل الانجذاب للسطحي أسرع من التوجه إلى العميق، وتجعل الاستجابة للغريزة أسهل من إعمال الفكر، وتجعل اللحظة أعلى شأنًا من المعنى، والانفعال أسبق من التأمل، والصورة أقوى من الفكرة، والاستعراض أكثر ربحًا من المعرفة.
وهكذا لم تعد المشكلة في وجود الشهوة، فالشهوة قديمة قدم الإنسان، ولكن في تحويلها إلى نظام يومي شامل، وإلى محرك اقتصادي ونفسي وإعلامي، يوقظ الأسفل فينا كل صباح، ثم يطلب منا أن نبقى بشرًا راقين آخر النهار.
ما الذي حدث إذن؟
حدث أن الإنسان الذي كان من المفترض أن يستخدم الوسيلة، أصبح هو نفسه مادة الاستخدام.
فتح هاتفه بحثًا عن دقيقة راحة، فوجد نفسه بعد ساعة يتنقل بين طعام يثير الجوع، وأجساد تثير المقارنة، ومقاطع تثير الرغبة، وعناوين تثير الفضول الفارغ، وانفعالات تثير القلق، ثم ينهض مثقلًا بشيء لا يراه بعينه لكنه يشعر به في قلبه: استنزاف داخلي.
جوعٌ لا يشبع.
مقارنة لا تنتهي.
وتوتر لا يهدأ.
وكأن المنصة تقول له كل يوم: كلْ أكثر، انظر أكثر، اشتهِ أكثر، أظهر أكثر، قارن أكثر… لكن لا تفكر كثيرًا، لأن التفكير يفسد السوق، والعقل يبطئ الاندفاع، والتأمل يقطع سيل الاستهلاك.
ومن أبلغ الأمثلة الحية على ذلك أن المرء قد يدخل ليرى فكرة، فيُدفع دفعًا إلى صورة؛ ويدخل لطلب علم، فيُحاصر بعرض جسد؛ ويدخل ليمرر وقته، فيخرج وقد استُدرجت نفسه إلى ما لم يكن ينوي أصلًا.
وهذه ليست صدفة بريئة، بل طبيعة بيئة تعرف أن إثارة الغرائز أسرع من بناء الوعي، وأن ما يخاطب الشهوة يحصد الانتشار، وما يخاطب العقل يحتاج إلى صبر، والصبر في زمن السرعة صار عملة نادرة.
تأمل كيف تُدار المعركة:
الطعام لا يُعرض بوصفه نعمة تُشكر، بل بوصفه إغراءً متكررًا يوقظ الشره.
والجسد لا يُقدَّم بوصفه كرامة إنسانية لها حرمتها، بل بوصفه سلعة جذب وترويج واصطياد للانتباه.
والفكرة لا تُعطى زمنها الطبيعي في الفهم، بل يُطلب منها أن تختصر نفسها حتى الموت، وأن تتزاحم مع الرقص والطبخ والإثارة والفضائح في الشاشة نفسها، ثم يُقال بعدها باستغراب: لماذا ضعف الذوق؟ ولماذا هبط الانتباه؟ ولماذا صار الناس أسرع غضبًا، وأقل صبرًا، وأشد تشتتًا؟
لأن البيئات تصنع طبائع أهلها.
ومن عاش طويلًا في سوق الضجيج، أصابه من الضجيج ما يصيب الثوب من الدخان؛ وإن لم يحترق، فلن يسلم من الرائحة.
لقد كان الحكماء منذ القدم يدركون أن الإنسان إذا تُرك لشهواته وحدها هبط، وإذا قادته بصيرته ارتفع.
ولذلك لم يكن تهذيب النفس عند العقلاء أمرًا ثانويًا، بل شرطًا للنجاة.
فالإنسان لا يصير كبيرًا لأنه يشتهي، بل لأنه يملك نفسه عند اشتهائها.
ولا يصير حرًا لأنه يفعل ما يريد، بل لأنه يعرف متى يقول لرغباته: قف.
وهنا يظهر الفرق المهيب بين من يعيش منقادًا لما يُعرض عليه، ومن يعيش سيدًا على نفسه.
الأول تُديره المنبهات.
والثاني يُديره المبدأ.
وليس المقصود بهذا الكلام إعلان حرب على الطعام ولا على الجمال ولا على الفرح ولا على الوسائل الحديثة؛ فهذه كلها من شؤون الحياة، والحياة لا تُبنى بالرهبانية المصطنعة، ولا بإنكار الطبيعة البشرية.
لكن الفرق هائل بين أن تكون الغرائز جزءًا من الحياة، وبين أن تصبح هي الحاكم الأعلى للذوق والقرار والاهتمام.
الفرق هائل بين أن يأكل الإنسان ليعيش، وبين أن يعيش ليرى ويعرض ويشتهي ما لا ينتهي.

والفرق هائل بين أن يحفظ الجسد كرامته، وبين أن يُستنزف في أسواق الفرجة حتى يفقد هيبته ومعناه.
إن أخطر ما فعلته بعض المنصات أنها لم تكتفِ بإغراء الأفراد، بل أعادت تشكيل الوعي الجمعي نفسه.
فصار كثيرون يقيسون القيمة بما يجذب، لا بما ينفع.
ويقيسون النجاح بما ينتشر، لا بما يبقى.
ويقيسون الحضور بما يثير، لا بما يوقظ.
وهذه كارثة فكرية قبل أن تكون مشكلة أخلاقية؛ لأن الأمة التي يبهَرها السطح، وتملّ العمق، وتطارد اللمعة، وتزهد في الفكرة، تصبح سهلة القيادة، سريعة الاستثارة، بطيئة الفهم، قابلة للتوجيه من أدنى مثير.
ومن هنا نفهم لماذا كان تغييب العقل أخطر من كل شيء.
فالغريزة إذا ثارت بلا عقل أفسدت.
والرغبة إذا انفلتت بلا ميزان أذلت.
والمنصة إذا ربحت من تعطيل الفكر، فلن يهمها بعد ذلك مقدار الخراب الذي يتركه المحتوى في أرواح الناس.
إن الجسد حين يُستثار يطلب المزيد، والبطن حين يُفتح بلا ضابط يطلب المزيد، أما العقل فإنه وحده القادر على أن يقول: يكفي.
ولذلك كان العقل عدوًا طبيعيًا لكل منظومة تعيش على الإفراط.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يهز كل قارئ هزًا:
كيف وصلنا إلى زمن يُحتفى فيه بمن يلهب الشهوة أكثر ممن يوقظ الفكرة؟
كيف صار الذي يربك الغريزة نجمًا، والذي يبني المعنى غريبًا؟
كيف أصبح الجائع إلى الحكمة أقل حظًا من الجائع إلى اللذة؟
الجواب مؤلم، لكنه واضح: لأن بناء العقل عمل شاق، أما تحريك الغرائز فمهنة سهلة؛ ولأن الفكرة تحتاج من المتلقي حضورًا، أما الشهوة فتكتفي منه برد فعل؛ ولأن الرقي مجهود، أما الانحدار فلا يحتاج إلا إلى ترك النفس لحبلها.
ولأجل ذلك كله، فإن معركة هذا العصر ليست فقط معركة أخلاق، بل معركة انتباه، ومعركة ذوق، ومعركة ترتيب داخلي للإنسان.
من الذي يقود: البطن أم البصيرة؟
من الذي يقرر: الجسد أم الضمير؟
من الذي يجلس على عرش النفس: الرغبة أم العقل؟
إن الأمم لا تسقط فقط حين تُهزم عسكريًا أو تُفقر اقتصاديًا؛ بل قد تبدأ هزيمتها الكبرى حين يُعاد تشكيل إنسانها ليصبح سريع الإثارة، ضعيف التمييز، قصير النفس، ضحل الاهتمام، لا يصبر على فكرة، ولا يثبت على مبدأ، ولا ينشغل إلا بما يُشبع الحواس ولو أفقر الروح.
وعندها يصبح خراب الداخل أسبق من كل خراب.
لهذا لا بد أن يُقال بوضوح لا مجاملة فيه:
ليس من البطولة أن نساير هذا التيار ثم نتظاهر بالدهشة من نتائجه.
وليس من الحكمة أن نربي الأجيال في بيئة تُلهب الغريزة صباحًا ومساءً، ثم نبحث فيهم آخر الأمر عن الاتزان والوقار والعمق والرسوخ.
فما يُزرع في العين، ينبت في القلب.
وما يُسقى كل يوم، يقوى سلطانه.
ومن أطعمه الناس شهوةً متواصلة، لا ينتظر منهم عقلًا متماسكًا إلا إن رحم الله.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من المنصات التي تُشبه السوق، بل إلى مزيد من الأصوات التي تُشبه المنارة.
نحتاج إلى من يرد للعقل اعتباره، وللفكرة هيبتها، وللمعرفة بريقها، وللحياء منزلته، وللإنسان توازنه.
نحتاج إلى من يذكّر الناس أن الجسد ليس كل شيء، وأن البطن ليس مركز الكون، وأن اللذة ليست معيار القيمة، وأن الإنسان إنما شُرّف لأنه يفكر، لا لأنه يشتهي فقط.
وهنا بيت القصيد، وهنا خلاصة المقال كلّه:
الغريزة ليست عيبًا… لكن المصيبة أن تُنصَّب ملكًا.
والجسد ليس تهمة… لكن الكارثة أن يُختزل الإنسان فيه.
والطعام ليس خطيئة… لكن الانحدار أن يتحول إلى هوية بصرية دائمة تستعبد الحواس.
أما العقل، فليس غريزة كما قلتِ بحق، بل هو إعمال؛ والإعمال يحتاج إرادة، وتربية، ومجاهدة، ووعيًا، ورفضًا لأن نُساق كما تُساق القطعان وراء ما يُقدَّم لها من علف بصري ونفسي لا ينتهي.
وفي الاخير اقول :
لقد نجحت السوشيال ميديا، في كثير من مساراتها الطاغية، في أن تجعل الإنسان مشغولًا بما يلتهمه، وبما يشتهيه، وبما يراه، وبما يقارن نفسه به، أكثر من انشغاله بما يفهمه، وما يختاره، وما يصير إليه.
وهنا يبدأ السؤال الأخطر:
إذا كان كل شيء حول الإنسان اليوم يُدرَّب على استثارة غريزته، فمن الذي سيدربه على إنقاذ عقله؟
إن المعركة الحقيقية لم تعد بين قديم وجديد، ولا بين ورقي ورقمي، بل بين إنسان تُقاد روحه إلى الأسفل، وإنسان ينهض بعقله إلى الأعلى.
وبين منصة تعرف كيف تفتح الشهية، وصوت صادق يعرف كيف يفتح البصيرة.
وبين زمن يريد للإنسان أن يظل مستهلكًا، ووعيٍ كريم يصرّ على أن يبقى إنسانًا.
فمن أراد أن يحيا سيداً، فلا بد أن يجعل من بصيرته قائداً، ومن عقله ميزاناً. فالجسد يفنى، والشهوة تخبو، ولا يبقى في ميزان التاريخ إلا ما وعاه العقل وأنتجه الفكر وصانه الضمير.
​فكونوا أسياد انتباهكم.. لا عبيد شاشاتكم.
الم يميز ويفضل الله الإنسان بالعقل عن سائر مخلوقاته..
فأين هو؟! هل من مُجيب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى