أدبأدب وشعرالثقافة والفنونثقافةفنفنونمجلة الأديب العربيمقالاتنثر

فلسفة الونس: حين يكون الحب مرفأً للتعب

فلسفة الونس: حين يكون الحب مرفأ للتعب لا ساحة للمعارك

بقلم: باهر رجب

في عالم يزداد صخبا، و تتسارع فيه خطى البشر نحو غايات مادية بحتة، يبدو الحديث عن “الحب” كأنه استراحة محارب، أو ربما محاولة أخيرة للتمسك بآدميتنا. لكن، هل سألت نفسك يوما: ما الذي ننشده حقا من خلف تلك المشاعر المعقدة؟ هل هو الشغف المشتعل دوما؟ أم هي الوجاهة الاجتماعية؟
الحقيقة، أن هناك غاية أسمى، وأبسط في آن واحد، غاية قد يغفل عنها الكثيرون وسط ضجيج القصائد والدراما، وهي “الونس”. ذلك المفهوم الدافئ الذي يختصر رحلة البحث عن الذات في الآخر.

فلسفة الونس
فلسفة الونس

البحث عن “الونس” في زمن الوحشة

كيف أقنعك، أو أقنع العالم، أن المسألة ليست في امتلاك “شريك حياة” بالمعنى التقليدي، بل في إيجاد ذلك الفراغ الذي يسكنه شخص فيحوله إلى وطن؟ طوال سنوات العمر، يركض المرء منا في ممرات الحياة الطويلة، يواجه عواصف الخيبات، ويتحمل ثقل المسؤوليات، لكنه في النهاية يحتاج إلى تلك الزاوية الدافئة التي تسمى “الونس”.
الونس ليس مجرد وجود شخص في الغرفة ذاتها، بل هو الشعور بأن ثمة روحا تحيط بروحك، تدرك صمتك قبل حديثك، و تتفهم حاجتك للانعزال دون أن تغادر جوارك. إنها الرغبة في إنهاء “يتم الروح” الذي رافقنا طويلا، والعثور على تلك القطعة المفقودة التي تجعل ليالي الوحدة الثقيلة تمر برقة لم نعهدها من قبل.

اقرأ أيضا

كتف تميل عليه الروح قبل الجسد

يقولون إن الرجل يعرف بقوته، لكن قمة الشجاعة تكمن في القدرة على إظهار الضعف أمام من يحب. الغاية هنا ليست امرأة تصفق لانتصاراتي فحسب، بل “امرأة أميل بتعبي عليها فتشعر بي، و تحملني بكل حنو”.
نحن لا نبحث عن “سوبرمان” أو امرأة خارقة، نحن نبحث عن إنسانة تدرك أن هذا الكتف المثقل بهموم الدنيا يحتاج أحيانا إلى أن يسند رأسه و يهدأ. أن يكون الحب هو “المرفأ” الذي ترسو فيه سفننا المنهكة، حيث لا نحتاج لارتداء أقنعة القوة أو ادعاء الصلابة. الحنو هنا ليس شفقة، بل هو الاحتواء الذي يعيد ترميم ما حطمته الأيام فينا.

اقرأ أيضا

مرآة العين.. حيث لا أجد إلا أنا

ثمة سحر خاص في تلك النظرة التي يتبادلها المحبون، لكن أعمقها هي تلك التي وصفتها ببراعة: “فتاة أنظر إلى عينيها فلا أجد إلا أنا، كل مرة، أنا فقط”.
هذه الجملة تختزل مفهوما نفسيا و وجوديا عميقا. فالمحب الحقيقي هو “مرآة” ترى فيها أجمل ما فيك، وترى فيها حقيقتك المجردة من الزيف. حين تنظر في عينيها ولا تجد إلا “أنت”، فهذا يعني أنها جعلت منك عالمها، وأنها تراك بقلبها لا ببصرها فقط. إنها حالة من التوحد الروحي حيث يتلاشى الآخر ليبقى الحب هو الحقيقة الوحيدة الماثلة أمام العين. هذا الصفاء في الرؤية هو ما يجعلنا نشعر بأننا “موجودون” حقا، وبأن لوجودنا قيمة ومعنى.

اقرأ أيضا

الطقوس الصغيرة.. قداسة القهوة واللحظات الهادئة

في نهاية المطاف، الحب لا يعيش على الدراما الكبرى، بل يتغذى على التفاصيل الصغيرة و المملة أحيانا. الغاية العظمى هي تلك “الأكواب الدافئة من القهوة” التي نتشاركها في صمت مريح، أو في خضم نقاش حول أمر بسيط.
إنها تلك اللحظات من “السعادة المطلقة” التي تأتي دون تخطيط. والقدرة على اقتسام “ليالي الوحدة الثقيلة” حتى تصبح خفيفة بلمسة يد أو همسة طمأنة. الحب هو أن تجد من يقاسمك “عادية” الحياة ويجعل منها شيئا استثنائيا.
ختاما: إن البحث عن الونس هو بحث عن التوازن المفقود بين صخب العالم وهدوء النفس. هي دعوة للإيمان بأن الحب في أرق صوره هو أن نكون لبعضنا “سكنا”. وأن نجد في عيون من نحب المأوى الذي يغنينا عن التيه في دروب الحياة.
“فهل لي أن أسألك.. هل تجدين في صمتي طلبا لهذا الونس، أم أحتاج لقول المزيد؟”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى