اخصائي نفسيالأسبوع العربيالأسرة والطفل

“نُربّي الطفل بداخلنا حين نُربّي أبناءنا»

« نُربّي الطفل بداخلنا حين نُربّي أبناءنا»

بقلم ماريان عماد
أخصائي الصحة النفسية وتعديل السلوك

في زحام التربية اليومية، وبين الواجبات المدرسية والتوجيه والنصح والتقويم، ننسى أحيانًا حقيقة بسيطة ومهمة:
نحن لا نُربّي أبناءنا فقط، بل نُعيد – دون وعي – تربية الطفل الذي بداخلنا.

كل كلمة نقولها لطفلنا وقت الخطأ، تحمل في طيّاتها صدى كلمات قيلت لنا قديمًا.
وكل موقف نختار فيه الاحتواء أو القسوة، هو انعكاس مباشر لما تعلّمناه عن الحب، والخطأ، والعقاب، والقبول.

حين نغضب من طفل لأنه بكى، ربما لا يكون غضبنا موجّهًا إليه وحده،
بل إلى طفل قديم بداخلنا لم يُسمح له يومًا أن يبكي.
وحين نطالب أبناءنا بالكمال، قد نكون نحاول تعويض شعور قديم بعدم الكفاية عشنا به سنوات طويلة.

التربية ليست نقل تعليمات فقط،
هي مواجهة هادئة مع ذاكرتنا النفسية.
ومع كل موقف، يُتاح لنا خياران:
إما أن نُكرر ما تعلّمناه،
أو أن نُصحّحه بوعي.

الطفل لا يتأثر بما نقوله بقدر ما يتأثر بما نكونه أمامه.
يتعلّم من نبرة الصوت، من طريقة الاعتذار، من كيفية التعامل مع الفشل،
من شكل الرحمة حين تُمارَس، لا حين تُشرح.
وحين نسمح لأنفسنا أن نكون أكثر لطفًا مع أبنائنا،
نكتشف فجأة أننا أصبحنا أكثر لطفًا مع أنفسنا أيضًا.

نهدأ، نتراجع خطوة قبل الغضب، نختار كلمات أقل قسوة…
وكأن الطفل بداخلنا وجد أخيرًا ما كان يحتاجه منذ زمن.
التربية الواعية لا تعني المثالية،
بل تعني الاعتراف بالخطأ، والقدرة على التعلّم منه.
أن نقول للطفل: “آسف، كنت متعصب”،
هي جملة تشفي طفلين في اللحظة نفسها.

في النهاية،
أبناؤنا لا يحتاجون آباءً بلا أخطاء،
بل يحتاجون بشرًا صادقين،
يتعلّمون، ويعتذرون،
ويمنحون الحب دون شروط.
وربما أجمل ما في رحلة التربية…
أننا ونحن نُربّي أبناءنا،
نجد أنفسنا نكبر معهم،
ونتعافى قليلًا… كل يوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى