اخصائي نفسيالأسبوع العربيمرأة ومنوعاتمقالاتمنوعات

الحب لا يُنقذ أحدًا

الحب لا يُنقذ أحدًا
بقلم / سهير محمود عيد
دخلت العلاقة كما لو كانت غرفة مظلمة، كل شيء فيها غريب، كل لحظة جديدة، وكل شعور مكبوت. لم يكن الرجل استثنائيًا، ولم يعدها بأي شيء. لكنه كان حاضرًا. وهذا وحده كان كافيًا ليوقظ كل ما دفنته السنوات في قلبها.
لم تكن تبحث عن حب، ولم تصدق بأن الحب قادر على إنقاذها. كل حياتها كانت عبارة عن سلسلة من الاستسلامات الصغيرة: الاستسلام للواجب، للاستقرار، للصمت. كانت تؤجل المشاعر كما تؤجل الخطر، وتغلق قلبها كما تغلق الأبواب على الخوف.
وفي البداية، بدا كل شيء هادئًا. الحوارات مقتضبة، الكلمات موزونة، الصمت أحيانًا أكثر وضوحًا من أي اعتراف. لكنها سرعان ما شعرت بالغرابة. لم تتعود على أن يكون أحدهم موجودًا بلا توقعات، بلا طلبات، بلا أحكام. لم تُكمل في ذهنها سيناريوهات النجاة الذاتية، ولا الخطط المحكمة لتجنب الألم.
العلاقات التي لا تُنقذ أحدًا تبدأ صامتة، وكأنها لعبة من الظلال. لا شيء فيها واضح، ولا أحد فيها يأتي كمنقذ. كل الحب الموجود لا يزيل الصدمات القديمة، ولا يبدد الخوف الذي تراكم مع السنين. ما يفعله الحب هنا ليس علاجًا، بل مرايا. مرايا تكشف كل الضعف، كل الفراغ، كل جزء من النفس لم يُشبع، ولم يُسمح له بالوجود.
كانت تحاول أن تتعلم. تحاول أن تكون حاضرة، أن تمنح، أن تحب، لكنها كانت تصطدم بالواقع الصارم: أن كل لحظة حب تحتاج استعدادًا، وكل قلب يحتاج شفاءه الخاص. لم يكن بإمكانه أن يملأ الفراغ عنها. لم يكن قادرًا على إصلاح ما تهدم منذ زمن بعيد، وما تراكم في صمتها الطويل.
ومع كل يوم، بدأت تلاحظ شيئًا أكثر قسوة: أن الألم ليس بسبب نقص في الطرف الآخر، بل بسبب توقعاتها نفسها. توقعت أن يملأ قلبها، أن يمسح كل الوحدة، أن يملأ فجوة تركتها سنوات من الحذر، الهروب، الخوف من الاتصال. لكنه لم يكن سوى إنسان عادي، محدود، يقف أمامها بحدوده، كما هي واقفة أمام نفسها.
كل لمسة، كل كلمة، كل صمت، كان اختبارًا صامتًا للواقع: الحب لا ينقذ أحدًا. لا أحد يمكن أن يُحافظ على قلبك حيًا، ولا أحد يقدر أن يمحو سنوات من العزلة والتعود على الانعزال. كل علاقة حقيقية، مهما كانت مليئة بالنية الطيبة، لا تستطيع أن تكون بديلًا عن مواجهة النفس.
ومع مرور الأسابيع، تعلمت درسًا آخر: أن الاستسلام للخيال مؤلم. أن انتظار المعجزات من شخص آخر يتركك عارياً أمام الحقيقة. الحب لا يخلق السلام الداخلي، ولا يملأ الفراغ. كل ما يفعله هو أن يضعك أمام نفسك، أمام صمتك، أمام تاريخك الطويل من الخوف، الخيبة، والعزلة.
المرأة التي تخوض مثل هذه التجربة تصحو كل يوم على حقيقة واحدة: لا توجد نهايات سعيدة جاهزة. لا توجد يد تمسك بك لتنقذك. كل ما يحدث هو مواجهة مستمرة مع قلبك، مع مخاوفك، مع الجروح التي لم تلتئم بعد. أحيانًا يرحل الشخص الآخر، وأحيانًا تبقى، ولكن الفرق لا يحدث في الآخر، بل فيك أنت.
مع كل هذه القسوة، تعلّمت شيئًا: الحب مرآة، ليس إنقاذًا. كل علاقة تظهر لك ما أنت عليه حقًا، وما لم تتعامل معه بعد. لا تنتظر من أحد أن يملأ فراغك، لا تبحث عن منقذ، ولا تصدق القصص الجميلة عن الحب الذي يصلح كل شيء. الحب مجرد مرايا، وأنت من يقرر إن كنت ستواجه صورتك فيها، أم تختفي مرة أخرى في الظل.
وهكذا، في نهاية المطاف، لا يبقى سوى الصراحة مع النفس. تعلمت أن الحب لا ينقذ أحدًا، أن العلاقات أحيانًا مجرد كشف للذات، وأن الشفاء الحقيقي يبدأ من الداخل. كل ما تستطيع فعله هو البقاء حيًا، مواجهة الألم، وتعلم الصمود.
في عالم خالٍ من المعجزات، لا يمكن لأحد أن ينقذك سوى نفسك.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى