الفصل الثاني: قبسٌ من نور.. بين سحر الزيف وحق اليقين
قلم/وائل عبد السيد
في الطريق الممتد نحو قصر الساحر، حيث تسكن الظلال وتُنسج الأوهام، لم يكن “تامر” يدرك أن قدره على وشك التغير. فمن وراء صخورٍ صماء، انبعث صوتٌ لم يعهده من قبل؛ صوتٌ ينساب كالنهر الهادئ، يغسل عن الروح ضجيج الساحر وكلماته الموحشة.
اللقاء الموعود
قاده الفضول نحو مغارةٍ منزوية، ليجد فيها شيخاً يكلله الوقار، يفترش الخوص ويلتحف السكينة. لم يكن يملك بهرج الملوك ولا صولجان السحرة، لكن في عينيه بريقاً يطرد العتمة.
سأله الغلام مبهوتاً: “من أنت؟ وكيف تجرؤ على المكوث هنا؟”
أجابه الراهب بابتسامةٍ مطمئنة: “أنا عبدٌ للواحد الأحد، الخالق الذي أوجدك وأوجد هذا الملك الذي تجبّر وادعى الألوهية”.
وقعت الكلمات على مسمع الغلام كالصاعقة؛ فهذا الحديث في عرف المملكة “خيانة”، وفي ميزان الروح “نجاة”. جلس الغلام مستسلماً لهذا الفيض، وبدأ الراهب ينسج له معالم التوحيد: إلهٌ رحيم، يجيب المضطر، ويشفي السقيم، ولا يطلب دماءً أو طقوساً، بل قلباً سليماً.
بين نارين: الساحر والأهل
أصبح الغلام يعيش صراعاً بين عالمين؛ عالم الساحر الذي يمثّل القوة الزائفة، وعالم الراهب الذي يمثّل الحق المطلق. لكن ثمن هذا المسار كان باهظاً:
بطش الساحر: الذي لم يكن يرحم تأخره ويشبعه ضرباً.مساءلة الأهل: الذين استغربوا غيابه المتكرر.
عندما ضاقت بالصبي السبل، لجأ إلى معلمه الراهب شاكياً ثقل الحمل، فمنحه الشيخ مفتاح الصبر بحكمةٍ تقيه الشرور، قائلاً:
“يا بني، إذا خفت بطش الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت عتاب أهلك فقل حبسني الساحر.. واصبر، فإن الحق إذا استقر في القلب، جعل الصعب ذلولاً”.
ازدواجية المسير
هكذا مضت أيام الغلام؛ يدرس “الباطل” عند الساحر بجسده، ويتشرب “الحق” عند الراهب بروحه. كان يبني في الخفاء قلعةً من الإيمان لا تهزها الرياح، ينتظر تلك اللحظة التي يخرج فيها النور من مكمنه، ليواجه الظلام في أول اختبارٍ حقيقي ليقينه.




