
التغير
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
البشر لا يتغيرون من فراغ، ولا يتبدلون بين ليلة وضحاها دون مبررٍ قاهر؛ فخلف كل تغير جذري في الملامح، أو نبرة الصوت، أو طريقة التعامل، تكمن قصة عناء موغلة في التفاصيل، وحكاية وجع لم تجد من ينصت إليها، أو خذلان طويل الأمد استوطن الروح حتى أخرسها.
ثمة فئة من الناس تمتلك قدرة هائلة على الاحتمال، فيحملون فوق عواتقهم من الهموم والضغوط ما لا تطيقه الجبال، يبتسمون وفي صدورهم غصّات، ويمضون وفي أعماقهم جروحٌ نازفة. يظلون هكذا حتى تأتي اللحظة الفارقة، تلك اللحظة التي ينكسر فيها شيءٌ ما بداخلهم بمنتهى الهدوء، دون صخب أو ضجيج. في تلك اللحظة، لا يصرخون ولا يشتكون، بل يلوذون بسكوتٍ مهيب، وبعد هذا السكوت، يتغير كل شيء.
تراهم وقد استحالوا أشخاصاً آخرين، لم يعد كلامهم كالسابق، ولا ردود أفعالهم تتسم بذات الشغف القديم. أصبحوا أكثر اختصاراً، وأشد هدوءاً، وربما يراهم البعض “باردين”، لكن الحقيقة أنهم لم يتبدلوا عبثاً، بل لأنهم تعلموا دروساً قاسية في مدرسة التجربة، فآثروا الصمت حمايةً لما تبقى من كبريائهم.
وهناك نوع آخر، كان التغيير بالنسبة لهم هو السبيل الوحيد للنجاة بعد سلسلة من الآلام. هؤلاء هم الذين أحبوا بإسراف، وأعطوا بصدقٍ منقطع النظير، وانتظروا تقديراً يوازي طهر نواياهم، لكنهم لم يجدوا سوى الجفاء. اكتشفوا في نهاية المطاف أنهم كانوا يخوضون حروباً ضارية بمفردهم، وأن قلوبهم الرقيقة كانت مستودعة لدى أشخاصٍ لا يدركون قيمتها ولا يستحقون أمانتها.
إن التغيير هنا لم يكن قراراً اختيارياً أو رفاهية فكرية، بل كان “رد فعل” قسرياً على تجاهلٍ متعمد، أو خيبة أمل مريرة، أو جرحٍ غائر سكن الروح لسنوات. من يتغير ليس بالضرورة شخصاً قسياً، بل هو إنسانٌ أصبح أكثر وعياً وإدراكاً، وفهم يقيناً أنه لا يوجد ما هو أغلى من راحته النفسية وكرامته الشخصية.
لا يحق لأحد أن يحكم على من تبدل حاله، فما من أحدٍ أبصر حجم المعاناة التي مر بها، ولا الحروب الخفية التي خاضها داخل أسوار نفسه. تلك الحواجز التي بناها الشخص المتغير ليست بهدف الإقصاء أو البعد، بل هي دروعٌ شيدها ليحمي بها ما تبقى من حطام روحه من طعنات جديدة.
إن التغيير الحقيقي لا يعني أن تنسلخ من هويتك لتصبح شخصاً غريباً، بل هو أن تكف عن لعب دور الضحية، وأن تدرك أنك ملزمٌ بالحفاظ على نفسك بذات الشغف والقوة التي كنت تبذلها للحفاظ على الآخرين. وفي نهاية المطاف، فإن الذي يصل إلى هذه المرحلة من التغيير والوعي، ليس شخصاً ضعيفاً كما قد يتوهم البعض، بل هو شخصٌ امتلك من القوة ما يكفي ليعيد رسم حدود حياته من جديد.




