أخبار

التعلق بالروح

التعلق بالروح

التعلق بالروح
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​ أشدَّ أنواعِ الارتباطِ قسوةً على النفس، وأعمقَها أثراً في الوجدان، هو ذلك التعلقُ بالأرواح؛ فهو ليس مجرد انجذابٍ عابرٍ أو عاطفةٍ سطحية، بل هو اندماجٌ كينونيٌّ يتجاوزُ حدودَ المادةِ والزمن. إنَّ حُبَّكَ لروحِ إنسانٍ ما، هو ميثاقٌ غليظٌ يبرمه القلبُ مع الغيب، ميثاقٌ كفيلٌ بأن يلازمكَ ما حييت، ويظلَّ عالقاً في حنايا صدرك حتى في أكثر لحظاتك عُزلةً وغياباً.
​هذا النوعُ من الحب لا يُشبهُ أبداً حبَّ المظهرِ أو الشكل؛ فجمالُ الوجوهِ والملامحِ هو جمالٌ فانٍ، تذروه رياحُ السنين ويُغيره تعاقبُ الأيام، وهو عرضةٌ للمللِ والاعتياد. كما أنه لا يشبهُ حبَّ التعود الذي ينشأُ من تكرارِ اللقاءاتِ والرتابةِ اليومية، فكلُّ ما جاء بالعادةِ قد يذهبُ بالزهد، وكلُّ ما أَلِفَتْهُ النفسُ يوماً قد تملُّ منه وتتركه في نهايةِ المطاف بحثاً عن جديد.
​أما التعلق بالروح، فهو الغوصُ في المحيطِ الذي لا قرار له؛ حيث لا تصلُ يدُ الفناءِ إلى الجمالِ الكامنِ هناك. إنك حين تعشقُ روحاً، فأنت تعشقُ تلك النبرةَ الخفية في الصوت، وذلك الصفاءَ الذي لا يُرى بالعين، وتلك الطمأنينةَ التي لا تُلمسُ باليد.
​فداحةُ الفقدِ واستحالةُ البديل
​وعندما يتمكنُ حبُّ الروحِ من قلبِ المرء، يصبحُ من ضروبِ المستحيل أن يجدَ ذاتَ الوهجِ أو ذاتَ الانعكاسِ في شخصٍ آخر. فالأجسادُ تتشابه، والملامحُ قد تتقارب، والطباعُ قد تتماثل، لكنَّ الروحَ واحدةٌ بصمتها الفريدة، وتكوينها الإلهي الذي لا يتكرر. إنها الجوهرُ الذي ليس له ندٌّ ولا بديل، فإذا غابت الروحُ التي أحببتها، تركَتْ في مكانها ثقباً في الوجود لا يملؤه أحدٌ سواها.
​إنَّ الراحةَ النفسية التي يجدها الإنسانُ في كنفِ روحٍ تألفُ روحه هي أسمى مراتب الاستقرار؛ إنها السكينةُ التي تجعلُ العالمَ الصاخبَ يبدو هادئاً، والحياةَ الموحشةَ تبدو وطناً. لذا، يظلُّ التعلقُ بالروح هو القيدُ الأجمل والأصعب في آنٍ واحد، لأنه قيدٌ لا يُفكُّ بموتٍ ولا ببعد، بل يظلُّ نابضاً ما دامت الأرواحُ في أجسادِها، وما دامت الذكرى عصيّةً على النسيان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى