أخبار

إعتراف

إعتراف

أعتراف
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​ثمة اعترافٌ ينوء به صدري، سرٌّ مكنون لم يطرق أسماع البشر قط، ولم تجرؤ شفتاي على البوح به حتى لظلي؛ إنني، وفي ذروة هذا الفراق المر، لا أشتاق إليك فحسب كما يفعل العشاق العاديون، بل إنني أشتاق لنفسي التي كانت تنبض بالحياة حين تكون أنت بالجوار. أشتاق لتلك الأنثى التي كانت تُبعث من عدمٍ بكلمة واحدة منك، وتستحيل قصيدةً من النور حين يلامس صوتك مسامعها. هل تذكر كيف كان صوتي يخفتُ انسحاقاً أمام هيبتك؟ كيف كنتُ أهمس لك بقلبٍ يرتجف: “احفظني من غوائل الزمن، وخبئني بين حناياك، فإني في هذا الكون الفسيح لا أملك ملاذاً سواك”.
​وفي كل صباح، أخوض معركةً ضارية مع قلبي، أحاول عبثاً إقناعه بأنك لست لي، وأن الأقدار قد كتبت سطر النهاية قبل أن نتمّ الرواية. لكن قلبي، بحماقة عاشقةٍ أضناها الوجد، يأبى الانصياع للمنطق، ويجيبني بتمردٍ عاتٍ: “ومَن قال إن المِلكية تُقاس بقبضة الأيدي أو بوجود الأجساد؟ قد تكون غائباً، قد تكون لغيري في عالم الظلال، لكنك في ملكوت قلبي، أنت السيد، والمبتدأ، والخبر”. إنه يقينٌ غريب يا سيدي، يقين يرى في غيابك حضوراً أطغى من وجود الحاضرين جميعاً.
​أنا يا غائبي الحاضر، أتعامل مع غيابك الموحش كما يتعامل الحكيم مع نوبات الجنون؛ أتظاهر بالتماسك، أُهذّب ملامح وجعي أمام رياء الناس، وأرتّب أنفاسي بدقةٍ متناهية كي لا يخرج زفيري مشحوناً بذكرك فيفضحني الشوق. أرتدي قناع القوة، وأسير بين الطرقات بوقارٍ مصطنع، لكن ما إن يسدل الليل ستائره على الشوارع المنهكة، وتسكن الضوضاء، حتى تنهار قلاعي كلها دفعة واحدة. هناك، في عتمة غرفتي، أعود إليك بضعفي، بكسري، وبتوقي الذي لا يهدأ، أعود كما يعود طفلٌ غريب إلى حضنٍ دافئ، يعلم يقيناً أنه محرومٌ منه، لكنه لا يملك غير التشبث بأوهامه.
​أنا لا أراك بعيني، لكن بصيرة قلبي ترصد طيفك في كل زاوية. لا تصل رسائلك إليّ، ولا يجمعنا درب، لكن روحك تمرّ من فوق قلبي كنسيمٍ باردٍ تارة، وكإعصارٍ تارة أخرى، مروراً يكفي لإيقاظ كل ندوبي القديمة، واستفزاز وجعي الكامن في أعمق نقطة من روحي. وما زلتُ، رغم المسافات التي تفصلنا، ورغم الحواجز التي تمنعنا، ورغم يقيني القاتل بأنك لست لي.. أحبك بملء قلبي، وأتوق إليك بملء جرحي، وأنتظر فيك فجراً أعلم أنه قد لا يشرق أبداً.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى