
العزلة السمعية : هي توقيع على احتمال موتنا وبجدارة .
نعمة حسن / كتبت
نحن لا نسمع العالم…
بل نُسلِّم حياتنا للصدفة
في ثانية واحدة، ثانية لا تُرى ولا تُسمع، قد تنتهي حياة كاملة لأن أذنًا كانت مشغولة، ولأن سلكًا صغيرًا قرر أن يعزل إنسانًا عن العالم.
مشهد بسيط جدًا، متكرر، عادي لدرجة مخيفة: فتاة تعبر الطريق، الهاتف على أذنها، مخبأ داخل الطرحة، عيونها مفتوحة لكن سمعها مغلق، وخطوتها واثقة كأن الشارع متوقف احترامًا لها. لا تلتفت، لا تسمع بوق سيارة، لا تحس بفرامل تصرخ، وكأنها تقول للعالم كله: دبّروا نفسكم… أنا مش سامعاكم.
في اللحظة دي، المسؤولية ما عادتش مشتركة. هي سلّمت روحها لسائق لا يعرفها، وطلبت منه ضمنيًا أن يكون ملاك حارس، أن يبطّئ فجأة، أن ينتبه فجأة، أن يتحمل ذعر السيارات خلفه، أن يخاطر بحياة غيره كي تنجو هي.
ثانية واحدة من البلادة السمعية كفيلة أن تقلب طريقًا كاملًا إلى فوضى، لأن سيارة واحدة تتوقف فجأة قد تجر خلفها سلسلة اصطدامات، صراخ، دم، وندم متأخر لا يسمعه أحد.
المشهد لا يقف عند الطريق. شاب يقود دراجة، سماعة في أذنه، موسيقى عالية، عالم خاص، لا يسمع سيارة تقترب، لا يسمع تحذيرًا، لا يسمع صرخة. هو موجود جسديًا في الشارع، لكنه ذهنيًا في غرفة مغلقة. ثانية واحدة، انحراف بسيط، جسد يُقذف، دراجة تطير، وأغنية تستمر في العزف بينما الجسد صامت. هنا لا يكون الحادث مفاجأة، بل نتيجة منطقية لعزلة مصطنعة اخترناها بأيدينا.
ثم نعود للبيوت، حيث الخطر أكثر خفاءً وأشد قسوة. غرف مغلقة، سماعات كبيرة، شباب وبنات منسحبون من العالم، لا يسمعون أمًا تنادي، ولا أبًا يستغيث، ولا صوت سقوط، ولا أنين ألم. تخيّل أمًا تتعثر في المطبخ، تنادي باسم ابنها، والصوت يرتد إليها مكسورًا لأن السلك كان أعلى من النداء. تخيّل أبًا يصرخ من ألم مفاجئ، ولا أحد يسمع، لأن العزلة أصبحت موضة، ولأن الصمت صار اختيارًا.
هذه ليست راحة، هذه كارثة مؤجلة.
العزلة السمعية أخطر من العزلة الاجتماعية، لأنها تلغي غريزة النجاة نفسها. الإنسان خُلق ليسمع قبل أن يرى، ليتحذّر بالصوت قبل أن يواجه الخطر وجهًا لوجه. حين نكتم السمع، نكتم الإنذار الأول للحياة. لا سيارة، لا صرخة، لا تحذير، لا استغاثة. كل شيء يحدث… ونحن غير موجودين.
حتى لو لم تقع كارثة اليوم، الضرر يتراكم في صمت. السماعات لا تعزل العالم فقط، بل تُضعف السمع، ترفع نبرة الصوت دون وعي، تجعل الإنسان مزعجًا لأنه لم يعد يسمع نفسه. يتحول الحوار إلى صراخ، والهدوء إلى توتر، والبيوت إلى أماكن منفصلة رغم الامتلاء. نعيش معًا، لكن كل واحد في جزيرته، وكل جزيرة محاطة بأسلاك.
الإعلام لم يتوقف عند هذه النقطة بما يكفي، رغم أنها تمسّ الشارع، والبيت، والعلاقة، والسلامة العامة. لأن المشكلة لا تبدو درامية، لكنها قاتلة في هدوئها. لا تحتاج انفجارًا كي تكون مأساة، يكفيها سلك رفيع، وأذن مغلقة، وخطوة غير محسوبة.
السؤال هنا ليس: لماذا نحب السماعات؟
السؤال الحقيقي: لماذا نقبل أن نُعطّل إحساسنا بالخطر؟ لماذا نسلّم أرواحنا للآخرين، ثم نغضب إذا لم ينتبهوا؟ لماذا نطالب السائق بالمسؤولية الكاملة، ونحن قررنا أن نكون غائبين سمعيًا عن الطريق؟
الانتباه ليس خوفًا، والسمع ليس رفاهية. خلع السماعة في الشارع، في القيادة، في اللحظات المشتركة، ليس تضييقًا على الحرية، بل احترامًا للحياة. لأن العالم لا يتوقف حين نغلق آذاننا، والسيارات لا تختفي، والنداءات لا تؤجل نفسها حتى ننتهي من الأغنية.
قد يكون أخطر صوت في حياتنا هو الصوت الذي لا نسمعه.
وقد تكون أبسط خطوة للنجاة هي أن نعيد فتح أذننا للعالم، قبل أن يُغلق العالم أبوابه علينا إلى الأبد.
مع تحياتي ..





