أخبار

قصة البيت القديم

قصة البيت القديم

الجزء الثالث..
قصة البيت القديم
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

بعد تلك الليلة المشؤومة، لم تعد حياتي كما كانت. عدتُ إلى القاهرة وجسدي يسير بين الناس، لكن روحي ظلت عالقة في ذلك الزقاق المظلم بين الغيطان. حاولتُ إقناع نفسي بأن ما حدث لم يكن سوى نوبة من الهذيان بسبب الإرهاق والضباب، لكن “المفتاح النحاسي” القابع في درج سيارتي كان يكذب كل محاولاتي للنسيان.
​مرت ثلاثة أشهر، وبدأت الكوابيس تزداد حدة؛ كنت أرى “ليلى” كل ليلة تقف عند طرف سريري، تشير إلى ساعة يدها وتهمس: “أصحاب البيت سيعودون.. والبيت يضيق بنا”.
​لم أحتمل الغموض أكثر، فقررتُ العودة. انطلقتُ بسيارتي نحو مدينة “أريدو”، وتوجهتُ بالضبط إلى تلك الأرض الزراعية حيث كانت الشجرة الكبيرة. وصلتُ هناك في وضح النهار، لكنني صُدمت بما رأيت.
​لم يكن هناك بيت قديم، ولا زقاق ضيق. كانت هناك جرافات ضخمة وعمال بناء يرفعون الأتربة. اقتربتُ من مهندس الموقع وسألته بقلب يرتجف:
“عذراً يا بشمهندس.. كان هنا بيت قديم، أين ذهب؟”
​نظر إليّ المهندس بتعجب وقال: “بيت؟ لا يا سيدي، هذه الأرض كانت مهجورة منذ عقود، وكانت تُستخدم كمقبرة خاصة لعائلة أرستقراطية قديمة اندثرت في الأربعينيات. نحن الآن ننقل الرفات لنقيم مجمعاً سكنياً جديداً”.
​شعرتُ بالدوار، وسألتُه”وهل وجدتم شيئاً أثناء الحفر؟”
رد المهندس وهو يمسح العرق عن جبينه “غريب أنك سألت.. وجدنا ثلاثة جثامين في حالة غريبة من الحفظ، كأنهم دُفنوا بالأمس. سيدة مسنة، ورجل ببدلة رسمية كاملة، وفتاة شابة.. العجيب أن الفتاة كانت تمسك في يدها خصلة شعر حديثة، وكأنها قطعت من رأس شخص حي منذ أيام فقط!”.
​تراجعتُ للخلف وأنا أتحسس شعري بذعر، لأسقط أرضاً بجانب كومة من الركام. وبينما كنت أحاول النهوض، لمحتُ شيئاً يلمع تحت أشعة الشمس بين الأتربة التي استخرجتها الجرافة.
​زحفتُ نحو الشيء، وحين أمسكته، شعرتُ بصعقة كهربائية تسري في جسدي.. لقد كانت “مرآة صغيرة”، مرآة يد قديمة تخص النساء. نظرتُ فيها، ولم أرَ وجهي.. بل رأيتُ خلفي مباشرة، في انعكاس المرآة، ليلى تقف بابتسامتها الساحرة وسط العمال، تضع يدها على كتفي وتهمس في أذني بصوت مسموع هذه المرة
“ألم أقل لك؟ لقد عاد أصحاب البيت الجدد.. والآن، لم يعد لنا مكان سوى عالمك أنت
​في تلك اللحظة، اختفت ليلى من المرآة، واختفى المهندس، واختفت الجرافات.. وجدتُ نفسي وحيداً في وسط الخلاء، والسماء بدأت تظلم فجأة رغم أنها كانت ظهراً، وبدأ رذاذ مطر بارد يسقط على وجهي. وحين نظرتُ إلى يدي، لم أجد المرآة.. بل وجدتُ يدي قد أصبحت شاحبة جداً، وبدأت معالمها تتلاشى كأنها مصنوعة من ضباب.
​أدركتُ حينها الحقيقة القاسية.. أنا لم أخرج من ذلك البيت قط. أنا لست “يونس” الذي عاد للقاهرة، بل أنا الجزء الذي استبقته ليلى معها ليؤنس وحشتهم في القبر، وما عودتي للقاهرة إلا وهمٌ زرعوه في عقلي حتى أعود إليهم طواعية وأسلمهم مفتاح حياتي.
​أغلقتُ عينيّ واستسلمتُ للظلام، بينما كان صوت الرعد يزأر من جديد، وصوت السيد جلال ينادي من بعيد: “أهلاً بك يا بني.. لقد اكتمل عددنا الآن”.
​وبهذا تنتهي الحكاية بين طيات الغموض والرهبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى