
يعجز النبض وتتحدث الأقلام
بقلم الكاتبة/نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
إن الكتابة ليست دوماً مرآة عاكسة لما يختلج في صدورنا من مشاعر آنية، بل هي في كثير من الأحيان رحلة بحث عما نفقده، أو محاولة لترميم انكسارات الروح عبر الحروف. فنحن قد نخطُّ بأقلامنا ملاحمَ عن العشق والهيام، ونرسم بريشة الكلمات لوحاتٍ تنبض بالوجد، بينما تخلو قلوبنا في تلك اللحظة من يدٍ تمسك بنا أو حبيبٍ يشاركنا عتمة الدرب. نحن نكتب عن الحب لا لأننا نعيشه بالضرورة، بل لأننا نشتاق لدفئه، أو ربما لأننا نقدس وجوده كقيمة عليا تتجاوز ذواتنا المنفردة.
وعلى الضفة الأخرى، قد تجدنا ننسجُ ترانيمَ عن الأمل المشرق، ونبشرُ بفجرٍ قريبٍ يلوح في الأفق، في حين أن في زوايا قلوبنا بقايا من غمام اليأس، وندوباً خلفتها خيبات الأيام. نكتب عن الضياء لأننا نخشى الظلمة، ونتمسك بحبال الحروف لننجو من الغرق في بحر القنوط. وبذات القدر من العجب، قد نكتب عن “نبض الحياة” وعنفوان الوجود، وعن تلك الرعشة التي تسري في الأوصال حين يبتسم القدر، بينما نشعر في دواخلنا بصمتٍ مطبق، وكأن نبضنا قد استكان وترك الساحة للورق ليحيا بدلاً منا.
إن هذا الحبر الذي ينسال فوق بياض الورق ليس بالضرورة هويتنا الشخصية، ولا هو بطاقة تعريف لما نمر به من حالات شعورية في اللحظة الراهنة. فليس كل ما تخطه يميننا يمثلنا أو يحكي قصتنا؛ فنحن لسنا مجرد نصوص، بل نحن أعمق بكثير من أن تحصرنا بضع جمل.
لكننا، ومن منطلق تأثرنا بالجمال، قد استرقنا النظر إلى عيون المحبين الصادقين، تلك العيون التي تحكي حكاياتٍ لم تُروَ بعد، وتختزل في بريقها آلاف المعاني. لقد لمسنا في نظراتهم وهجاً لم تعرفه أرواحنا، وقرأنا في لمعان مآقيهم صدق العهود ونقاء السريرة. ومن تلك المشاهد العابرة، غزلنا خيوطاً من المشاعر المبتكرة، وجمعنا شتات الأحاسيس التي رأيناها فيهم، ثم أعدنا صياغتها وترجمتها إلى كلماتٍ رصينة وقوافٍ موزونة.
نحن نفعل ذلك لنشاركهم، ولو من بعيد، تلك اللذات الروحية، ولنستمتع بكنه المحبة ومعناها السامي. نكتب لنستشعر معهم طهر مشاعرهم، ونعيش في كنف عوالمهم الوردية، فنمزج واقعهم بخيالنا، لنخلق نصاً يتنفسُ حباً، حتى وإن كان الكاتبُ لا يزالُ ينتظرُ على رصيف العمر قلباً يمنحه ذاك النبض الحقيقي.





