اخصائي نفسيالأسبوع العربي

وجع عميق … ودعم أعمق

وجع عميق … ودعم أعمق
بقلم / سهير محمود عيد
لم يكن “حسام” مستعدًا للحظة التي سمع فيها التشخيص الذي غيّر ملامح حياته كلها. كلمة “سرطان” لم يكن صوتًا طبيًا جامدًا… كان سهمًا اخترق قلبه قبل جسده. عاد إلى بيته وهو يحمل وجعًا أكبر من الألم الجسدي، وجعًا اسمه: الخوف.
بدأت رحلة العلاج الكيماوي، وبدأ معها الانهيار الحقيقي. كل يوم يفقد جزءًا من قوته، من شكله، من صبره. لكن ما لم يره أحد هو الجزء اللي كان بيتفتت جواه في صمت… روحه.
كان ينام وهو خايف، ويصحى وهو مرهق، ويمثل القوة أمام أسرته رغم إنه من جوه هشّ لدرجة الانهيار.
وأكتر مشهد كان يكسره: نظرات أهله اللي كلها قلق وعجز.
في إحدى الجلسات، الطبيب لاحظ إن عين حسام مش بس متعبة… ده كانت بتحكي قصة ألم نفسي كبير.
قال له بهدوء:
“إحنا بنعالج جسمك… بس لازم نعالج روحك كمان.”
وهنا بدأ دور المعالج النفسي.
دخل حسام الجلسة الأولى وهو فاكر إن الموضوع “رفاهية” أو “دلّع”، لكن مع أول كلمات نطقها، حس إنه كان محتاج حد يسمعه… يسمع كلمة “أنا موجوع”.
المعالج ما كانش بيديه دواء، لكنه كان بيديه مساحة يتنفس فيها بدون خجل، يفكّر بدون خوف، ويتعب بدون ما حد يلومه.
اتعلم مع الوقت إن التعب النفسي جزء من المرض، وإن العلاج مش جسم بس، وإن البكاء مش ضعف… وإن الخوف لو ما واجهوش هيقتله قبل المرض.
الجلسات ما كانتش مجرد كلام، كانت علاج يعيد تشكيله من جديد.
علمه المعالج إزاي يهدي أفكاره لما تعلى، وإزاي يتعامل مع نوبات الخوف اللي بتهجمه في الليل، وإزاي يعيد ترتيب الأولويات علشان يعيش يومه بدل ما يحسبه بخوف.
أسرة حسام كمان استفادت؛ المعالج شرح لهم إزاي يكونوا سند بدون ضغط، ودعم بدون تحكم، ووجود بدون إلحاح… وكل ده خفّف الحمل عن المريض.
ومع مرور الوقت… اتحسّن.
مش بس في التحاليل، لكن في نظرته للحياة.
دخل جلسات العلاج الكيماوي بروح أقوى، ونومه اتحسّن، وضحكته بدأت ترجع ولو ببطء.
وفي آخر زيارة للطبيب، قال له:
“إنت اتعالجت في اتجاهين… وده سر قوتك.”
أدرك حسام إنه ما انتصرش على المرض بالعلاج الطبي وحده، بل انتصر لأن فيه حد مسك إيده وهو بيغرق… حد اسمه المعالج النفسي.
وفي النهاية يبقى الدرس الأكبر:
السرطان يهزم الجسد… لكن غياب الدعم النفسي هو ما يهزم الروح.
ولولا المعالج النفسي، كان كتير من المرضى هينتهوا قبل ما يبدأوا رحلة الشفاء.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى