
كتب / محمود جنيدى
شروط التمويل تكشف الوجه الخفى للتطبيع
في الوقت الذي لم تلتئم فيه جراح غزة بعد ولم ترفع عنها أنقاض الحرب التي مزقت بيوتها وأحلامها خرجت مواقف عربية صادمة تكشف حجم التحول في البوصلة السياسية فقد أفادت مصادر دبلوماسية بأن السعودية والإمارات رفضتا تمويل إعادة إعمار قطاع غزة إلا بشرط إبعاد فصائل المقاومة ونزع سلاحها داخل غزة
ذلك الشرط الذي يبدو في ظاهره دعوة إلى الاستقرار يخفي في جوهره محاولة لإعادة صياغة المشهد الفلسطيني وفق الرؤية الأمريكية الإسرائيلية بعيدا عن إرادة الشعب الذي قدم الدماء دفاعا عن أرضه وكرامته إن الحديث عن إعادة الإعمار لم يعد إنسانيا بقدر ما أصبح ورقة ضغط سياسية تستهدف تقويض روح المقاومة وطمس هوية النضال الفلسطينى
فبدل أن يكون الدعم العربي سندا لصمود غزة أصبح وسيلة لفرض الإملاءات وتبديل الأولويات من التحرير إلى الخضوع ومع كل حرب أو هدنة تطرح ذات الشروط بوجه مختلف الأمن أولا ثم الإعمار لكن الحقيقة أن الأمن المقصود هنا هو أمن إسرائيل وحدها بينما يترك الفلسطينى بلا حماية ولا كرامة
ولم يعد خافيا أن اشتراط نزع سلاح المقاومة هو صدى للرؤية الأمريكية الإسرائيلية التى تسعى لإجهاض فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة وتحويل غزة إلى كيان منزوع الإرادةبل إن المواقف الأخيرة تعكس تطبيعا مستترا حيث تتحدث بعض العواصم العربية بلسان تل أبيب وواشنطن وتتبنى مطالب الاحتلال تحت غطاء الاستقرار الإقليمى فلم يكفيهم الخذلان عامين متواصلين لابناء غزة بل ذادوا عليهم ليكبلوهم بشروط هى فى الاصل شروط المحتل بنزع السلاح وإخراج المقاومة من القطاع
إن هذا النهج لا يخدم السلام بل يهدد الهدنة الهشة بالانهيار لأن أي محاولة لإقصاء المقاومة أو تجريدها من قوتها ستعيد إشعال الصراع من جديد وتفتح الباب أمام دورة جديدة من الدم والعنف فالمقاومة بالنسبة للفلسطينيين ليست خيارا سياسيا بل حقا طبيعيا في الدفاع عن الأرض والعرض وعن حق العيش بسلام وحرية على ارضهم المغتصبة من الاحتلال مايقرب الثمانية والسبعون عاما ظل الجميع واقفا متفرجا يكتفى بالتنديد والإستنكار ولم يقدم يعد العون لابطال الدولة الفلسطينية لامن قريب ولا بعيد ولم يتحملوا مسؤولية الدفاع ولو بالمشاركة تاركينها غارقة بدماء ابنائها تتهدم أحلام الصغار على أيدى المحتل بالقتل والتنكيل
وفي الوقت الذي تسعى فيه مصر بكل حكمة للحفاظ على الهدنة وفتح مسارات للحل السياسي العادل تأتي هذه الشروط لتربك الجهود الإقليمية وتزرع الانقسام في الصف العربي الأمر الذى لا يخدم سوى الاحتلال وأهدافه التوسعية بالإستسلام غير المشروط تحت قوة السلاح الإسرائيلى الأمريكى
إن المطلوب اليوم ليس مزيدا من البيانات أو التبريرات بل موقف عربي موحد وشجاع يرفض الوصاية على القرار الفلسطينى الذى دفع مجاهديدها وابنائها أرواحهم ثمنا لاجل تحرير الأرض ويدعم إعادة إعمار غزة من دون شروط أو إملاءات فالإعمار واجب إنسانى وأخلاقى لا يقايض بالسيادة ولا يباع بالمال
وفي النهاية فإن من يتحدث باسم إسرائيل اليوم ولو بلسان عربي يشارك في العدوان من بوابة الدبلوماسية ومن يسكت عن ذلك يسهل الطريق لتصفية ما تبقى من حلم التحرير وإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة فإما أن يرفع الحصار وتبنى غزة دون إبتزاز وإما أن يسقط القناع عن دعاوى السلام الزائفة حيث يعد هذا إنتهاك صارخ للقانون الدولى الانسانى بتحويله معاناة المدنيين إلى وسيلة ضغط سياسية ومساومة وهو مايعد شكل من اشكال العقاب الجماعى الذى تجرمه المواثيق الدولية فلايمكن لاى طرف دولى اوعربى التنصل من دوره ومسؤوليته الاخلاقية والقانونية تجاه ماقد تؤول إليه الاوضاع فى حال إستمرار هذا النهج بفرض الشروط على جانب دون آخر مما يهدد أمن وإستقرار المنطقة باسرها
لن تنكسر غزة لأنها تعودت أن تحاصر من الخارج لتنتصر من الداخل وستظل عصية على الابتزاز حرة بإرادتها باقية بسلاحها وإيمانها بعدالة قضيتها وبسالة مجاهديها وموقف مصر الواضح والمساند لها برفضها للتهجير وتصفية القضية الفلسطينية
من يعيد الدول العربية إلى صوابها ليساندوا اهل الحق على الباطل من يعيد مجد العروبة والعرب أم انهم قد إعتادوا المشهد بترك مصر وحدها هى الحاضنة الساندة المطببة لجراح كل من يتألم من أبناء الوطن العربى لن تترك مصر غزة وحدها بقيادتها العظيمة الباسلة وجيشها العظيم الذى يحفظ أمن وأمان المنطقة باسرها حفظ الله مصر وشعبها وجيشها وقاداتها





