بعد عدة أيام، ذهب محمود إلى البقالة، حاملاً باقة ورد فاخرة مزينة بشرائط حريرية. كان قلبه ينبض بقوة، وعيناه تبحثان عن وردة بشوق. وجدها خلف المنضدة، منهمكة في ترتيب البضائع، فاقترب منها بهدوء.
“وردة، هل يمكن أن أتحدث معكِ على انفراد لدقيقة؟”
ترددت وردة للحظة، ثم أشارت إلى زاوية هادئة بالمتجر. كان التوتر يسيطر على الأجواء.
“وردة، لم أستطع أن أنساكِ منذ لقائنا الأول. لقد احتلتِ كل تفكيري، وأدركتُ أنني أحبكِ.”
قدم لها باقة الورد، وظهر على وجهه علامات الخجل والترقب. مدت يدها لتأخذ الباقة، وابتسامة رقيقة ارتسمت على شفتيها.
“محمود، أنتَ شخص طيب، وأنا سعيدة بما تقوله، لكن…”.
توقف محمود، وسألها بقلق: “لكن ماذا؟ هل هناك شيء يزعجك؟”
“أنا مسؤولة عن أختي الصغرى، وهي كل ما تبقى لي في هذه الحياة. كما أنني لا أريد أن أترك البقالة التي أعتني بها، فهي مصدر رزقنا الوحيد، وميراث والدي.”
“وهل تظنين أن هذه مشكلة؟ أنا أعدكِ أن أكون عونًا لكِ ولأختكِ. سنعيش هنا، وسوف تظلين تديرين البقالة كما تريدين. سأساعدكِ في كل شيء، وسأكون لكِ عائلة وسنداً.”
كانت وردة ممتنة لكلامه، لكنها ما زالت مترددة. “أعطني فرصة لأفكر في الأمر، محمود. الأمر ليس سهلاً.”
تفهم محمود ترددها، وقال: “سأمنحكِ كل الوقت الذي تحتاجينه، وردة. أنا في انتظاركِ.”
في تلك اللحظة، دخلت أخت وردة الصغرى إلى المتجر، ونظرت إلى الباقة في يد وردة باستغراب.
“من أين لكِ بهذه الباقة الجميلة يا وردة؟”
ابتسمت وردة بخجل، وقالت: “محمود هو من أحضرها لي.”
نظرت الفتاة إلى محمود بامتنان، وقالت له: “شكرًا لك. أنتَ شخص طيب.”
شعر محمود بالراحة، وقال: “وردة، ما الذي يجعلكِ تترددين؟ هل هناك سر تخفينه؟”
تغيرت ملامح وردة، وبدا عليها الحزن. “هذا أمر لا يخصني وحدي. أنا أخشى أن يرفضني المجتمع بسبب…”.
“بسبب ماذا؟” قاطعها محمود. “أرجوكِ، أخبريني. أنا أعدكِ أن أقف بجانبكِ مهما كان الأمر.”
أدارت وردة وجهها، وأخذت نفسًا عميقًا. “أخي، الذي سافر منذ سنوات، وهو من يدير البقالة معي. أخشى أن يرفض زواجنا.”
فجأة، دخل رجل غريب إلى البقالة، ووجهه يملؤه الغضب. نظر إلى محمود ووردة، وقال بصوت عالٍ: “من هذا؟ وماذا تفعل هنا، وردة؟” كان صوته يتردد في أرجاء المكان، مما جعل وردة تختبئ خلف محمود.
“أنا..أنا لا أعرف هذا الرجل!” قالت وردة بصوت خائف.
“أنا أعرفك جيدًا يا وردة، وأعرف كل أسراركِ!” قال الرجل الغريب.
أمسك محمود بيد وردة، وقال للرجل: “من أنت؟ وماذا تريد منها؟”
“أنا…أنا خطيبها.” قال الرجل الغريب، وابتسم بابتسامة مخيفة.
كانت وردة مصدومة. “أنتَ تكذب! أنتَ من هربت ورفضت الزواج بي!”
ضحك الرجل الغريب بتهكم. “ألم أعدكِ بالعودة؟ أنا هنا الآن. لن تتزوجي من غيري أبدًا.”
شد محمود على قبضة يده، ونظر إليه بنظرة حادة. “أخرج من هنا الآن قبل أن أتصل بالشرطة.”
“الشرطة؟ لن تستطيعوا فعل شيء. لديكم أسرار كثيرة.” قال الرجل الغريب، ثم التفت إلى وردة وابتسم ابتسامة شريرة، وخرج من البقالة.
تركت وردة الباقة على الأرض، وانهارت باكية، فأخذها محمود بين ذراعيه.