جرأة المواجهة مع الذات .. لماذا نخاف أن ننظر فى مراتنا النفسية
بقلم د / سهير محمود عيد
استشارى الصحة النفسية والإرشاد الأسرى
عضو إتحاد المعالجين النفسيين العرب
فى إحدى الليالي ، جلست سارة وحيدة أمام المرآة ، لكنها لم تكن تنظر إلى وجهها ، بل إلى عينيها . شعرت أن شيئا ما يختبىء خلف تلك النظرات المرهقة ، شيئا لم تجرؤ على مواجهته منذ سنوات .
لم يكن الخوف من التجاعيد أو الملامح ، بل من مرآة أعمق بكثير : المرآة النفسية.
معظمنا يهرب من مواجهة ذاته . نهرب من الأسئلة الصعبة .
لماذا اشعر بالفراغ رغم أن حياتى مليئة بالآخرين ؟ لماذا اغضب بسهولة من احب الناس إلى ؟ لماذا يطاردنى الحزن فى لحظات يفترض أن أكون فيها سعيداً ؟ هذه الأسئلة تخيفنا لأنها تفتح ابوابا على جروح قديمة ، وذكريات موجعة ، وضعف حاولنا إنكاره.
الخوف من المواجهة ينبع غالباً من آليات دفاع متجذرة فى داخلنا . حين نشعر بالعجز ، نصنع لأنفسنا اوهاما صغيرة نعيش بها ” كل شىء بخير ” ، انا قوية ، الماضى انتهى ، لكن الحقيقة أن الداخل يئن ، والجرح يتسع بصمت ، حتى يظهر على شكل قلق ، اكتئاب ، أو نوبات غضب لا تفهم مصدرها.
المجتمع أيضا له دور فى الهروب . نحن نتربى على ثقافة تقول : أصبر ، لا تشتكى ، الزمن كفيل بكل شىء . وكأن الحديث عن الألم النفسى عيب أو ضعف . منتدى أقنعة إلى مسرحية يومية نتقن فيها التمثيل أمام الآخرين . لكننا نفشل فى التمثيل أمام أنفسنا .
لكن الجرأة الحقيقة ليست فى مواجهة العالم بل فى مواجهة الذات ، أن تجلس بهدوء وتقول ” نعم انا أتألم ، نعم ، لدى جرح لك يلتئم ، نعم احتاج المساعدة ” هذا الاعتراف ليس هزيمة بل بداية شفاء .فالعلاج النفسى يبدأ بخطوة صغيرة من الصدق مع النفس ، لا بخطايات كبيرة عن القوة .
ساره تلك الليلة ، حين سمحت لدمعة أن تنزل على خدها وهى تواجه ذاتها بصدق ، لم تفقد قوتها ، بل استعادتها . حين أدركت أن المرآة النفسية لا تعكس ضعفنا ، بل تكشف الطريق الى قوتنا الحقيقية: شجاعة الاعتراف والسعى للتغيير.
واخيرا …. الجرأة ليست أن تصرخ فى وجه الآخرين ، بل أن تهمس لنفسك : حان الوقت أن أتوقف عن الهروب . فمن يملك شجاعة مواجهة مرآ ته الداخلية ، يملك مفاتيح الحرية النفسية والسعادة الحقيقة .
” اللهم امنحنا قوة الصدق مع أنفسنا ، وشجاعة مواجهة جراحنا ، وطمأنينة القلوب التى تبحث عن السلام .