أخبارأخبار الأسبوع

الألم النفسي أسد: حين ينهشك من أقرب الناس إليك

الألم النفسي أسد: حين ينهشك من أقرب الناس إليك

بقلم .د/هبة شوقى راشد

في زمنٍ تُقاس فيه الأوجاع بما يُرى ويُلمس، يُهمَل الألم الذي لا يُرى ولا يُلمس، لكنه يُنهش الروح ويُعيد تشكيل القلب.
الألم النفسي ليس رفاهية شعور، بل هو زلزال داخلي، لا يُسجّله مقياس ريختر، لكنه يُدمّر البنيان الذي بُني على الثقة، الحب، والطمأنينة.

الألم النفسي لا يُهدّئه مسكن

حين يُطعنك من كنت تظنه ظهرك، لا يُجدي الباراسيتامول، ولا تُجدي الراحة.
تبدأ في مراجعة نفسك، لا لأنك أخطأت، بل لأنك لم تتوقع الطعنة.
تعيش في صمت، لكن داخلك يصرخ.
تبتسم، لكن قلبك ينهار في كل لحظة.

الألم النفسي لا يُعلن عن نفسه، بل يتسلل في هيئة أرق، نسيان، خمول، أو حتى ابتسامة زائفة.
هو وجع لا يُقال، لأنه حين يُقال، لا يُفهم.

لماذا هو “أسد”؟

لأنه لا يرحم.
ينقضّ عليك في لحظات الضعف،
يُرعبك في الليل،
يُلاحقك في النهار،
ويُحوّل جسدك إلى ساحة حرب، رغم أن المعركة كلها داخل الرأس.

الأسد لا يهاجم إلا حين يشعر بالخطر أو الجوع.
والألم النفسي يهاجم حين تجوع روحك للطمأنينة، أو حين تُهدّد ثقتك بمن تحب.
هو أسد لأنك لا تستطيع ترويضه إلا إذا واجهته، لا إذا هربت منه.

من أقرب الناس؟ إذًا هو خيانة للطمأنينة

حين يأتي الألم من شخص كنت تظنه وطنًا، يتحول الوطن إلى منفى.
تبدأ في الشك في كل شيء: في الحب، في الثقة، في نفسك.
وتكتشف أن أقسى أنواع الوحدة هي تلك التي تعيشها وأنت محاط بالناس.

الألم من الغريب يُنسى،
أما الألم من القريب، فيُعاد تدويره داخل الذاكرة،
يُعاد تفسيره، يُعاد تبريره،
ثم يُعاد طعنك به كلما تذكرت.

هل من شفاء؟

الشفاء لا يأتي من النسيان، بل من الفهم.
أن تفهم أن من آذاك لم يكن كما ظننت،
وأنك تستحق أن تُحب دون أن تُؤذى،
وأن الألم النفسي، مهما كان أسدًا، يمكن أن يُروّض حين تُعيد بناء نفسك، لا على أساسهم، بل على أساسك أنت.

الشفاء يبدأ حين تُعيد تعريفك لنفسك:
أنك لست ما قالوه،
ولا ما فعلوه،
بل ما اخترت أن تكونه بعد أن مررت بكل ذلك.

ومضة روحية

في القرآن الكريم، كما قال المولى عز وجل:
“ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.”
(آل عمران الآية ١٣٩)
ليس لأن الحزن لا يأتي، بل لأن الإيمان يُعيد ترتيب الألم،
يُحوّله من طعنة إلى درس،
ومن انهيار إلى بناء جديد،
ومن أسدٍ ينهشك، إلى أسدٍ تحمله في رايتك، كرمزٍ على أنك نجوت.

رجب حموده

ريس قطاع شمال الصعيد للاسبوع العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى