
بقلم / د. حنان حسن مصطفي
الحسين، اسطورة نجيبب محفوظ
ظهيرة ذلك اليوم، حين دخلتُ الحسين شعرت أني ولجتُ ثلاثية محفوظ، مستلما لشغف التجوال في ميدان ( بين القصرين)، منصتا بمهابة (لسي سيد) قبل أن انتقل بحماسة لقصر الشوق الذي استقبلني فيه السيد عبد الجواد، النسخة المخففة من السلطة الأبوية التي ظهرت في الجزء الأول، قبل أن أغادر مضطرا عند نهاية (السكرية)، الحي الذي نشأ فيه جيل جديد، و ظهرت صورة له هي تمثيل لعالم آخر لم بقَوِض تماما ماسبق. بل احتفظ بذاكرة الماضي لكن بشروط حياة جديدة.
وصفحة بعد أخرى كنتُ أتتبع مسحورا أثر الحيوات التي خلقها نجيب محفوظ، السعادات والمآسي، الضحكات والكلمات الحادة والغناء، أسمع برهافة كما لو أني أنصتُ لصوت الراوي ، لوصفه وحواراته، أتوقفُ في كل زاوية لكي أستوعب هذا المزج الغرائبي بين النصين، نص الواقع ونص الخيال فأتعجبُ لهذه العبقرية التي خلقَ بها حيُ الحسين نجيب محفوظ، وعبقرية نجيب محفوظ التي خلق بها حي الحسين .
ولم تكن اسطورة نجيب محفوظ _ كما أظن_ تعتمد في الأساس على كونه كاتبا مشهورا وحسب، أو مبدعا قدم للرواية العربية نصوصا حية تنبض بجماليات الكتابة تنطوي على طروحات نقدية مبنية على فكرة مواجهة السكون، ومساءلة الاتساق اجتماعية وسياسية وثقافية، مستخدما مشرط اللغة، يعضده وعيه العالي بالمحيط, بل لأنه لم يختر دور المصطاف الذي يكتب عما يراه في الواجهات، فقد أخرجَ لنا من عمق المكان مدينةً موازية هي نسخة من القاهرة،
متصلة بالوجود الواقعي للمدينة ومتخيلة في الوقت ذاته، شقّ لنا شوارع ضيقة، ورسم البيوت القديمة، خلق لنا شخصيات يمكن لنا اللقاء بها في كل وقت، عند النواصي وفي المحلات والمقاهي، بشر من صلابة الواقع وهشاشة النفس الانسانية بكل غموضها، فتح لنا ميادين لا يمكن الحلول فيها بدون أن يرافقنا طيف محفوظ نفسه، الوسيط الروحي بين الزائر لحي الحسين بشكل خاص والادب، بل بين المقيم تفسه في الحي وبين تاريخه الجمعي، كأن محفوظ الملاك الدليل الذي يرافق كل غريب يدخل الحي. ليريه المزج العبقري بين النسخة المادية التي يفحصها الآن بحواسه و بين النسخة التي صنعها الخيال. وليقدم في النهاية تلك المادة الابداعية التي توغلت في العمق لتظهر الحياة الناهضة كما قرأناه في السكرية، وبين تضاءل السلطة الأبوية الشرسة التي هيمنت على مرحلة( بين القصرين)
وحين توقفت سيارة الأجرة و دخلنا حي الحسين، المكان الذي نسج اسطورته الفاطميون والمماليك والأيوبيون والعثمانيون ونجيب محفوظ بالطبع، كنت أحمل شريطا طويلا من الصور عنه، منها ما وصلني عن الثلاثية، ومنها ما جاء من مشاهد السينما، ومنها ما نسجته المدونة التاريخية، فالحي هو قلب القاهرة القديمة التي رافقني اليها_ في اليوم الأخير لي فيها _ باسم فرات، العاشق للمدينة والعارف ببعض أسرارها. و أمام المقام المهيب شعرت بأن هذا البناء اخترق الزمن بالفعل، لم يتنازل عن تلك الهيبة والجلال، كيان استوعب كل التحولات وأذابها في آنية فرادته، وامتيازه الذي لم يتزعزع طوال القرون .
ولم تكن عيناي في تلك اللحظات تستقران على موضع بعينه، فكل شيء هنا له سلطة عاطفية لايمكن تجاوزها، شممت أثر الماضي كما لو أن الفاطميين لم يغادروا حي الحسين، المنائر والقباب والبيوت هي نفسها، الاسواق والمحلات والخانات،
لقد نسيت خلال ساعات حتى التقاط صور، مشدودا الى تلك الروح الفاعلة التي تكمن في كل زاوية، مستسلما للمقارنة بين الصور المخزونة في رأسي، وبين المكان الذي اقف في قلبه غير قادر على وصفه بتلك النعوت المبتذلة، ففضلت الصمت، أمامي صورتان لحي الحسين متداخلتان لا يمكن فصلهما، يتنفسان تحت مظلة الزمن.
وبعد ساعات من التجوال دخلنا مقهى قريبة من ( الفيشاوي) صغيرة نقابل محلات التحف والهدايا، طلبنا الشاي الأخضر وكان الرجل الذي يمسك العود مندمجا بتأدية قطعة من كلاسيكيات الفن، اغنية للشيخ إمام الذي أعشق أغانيه، كان يعزف ويرد اثناء ذلك على التحيات العابرة، دون أن يتنازل انقياده لتلك النعمات التي كان يحررها بتلقائية،
لا أعرف إن كان يمارس عملا في جلوسه هنا، لكني نظرت اليه بعمق وهو يحرر جملته الموسيقية بشغف جلي، وجه مصري مثالي، اسمر نظهر على ملامحه روح الفنان الشاعر المخلوطة بحزن قديم متراكم، بينما الكلمات تنساب من بين شفتيه كأنه يرتل نصا مقديا، او يستعيد ذكرى هي جزء أساسي من سيرة الانسان في هذا المكان.
فاصلة استراحة، ودار حديث بيني وبين عامل المقهى، حديث قصير واكتشفت أنه أقام في سنوات ماضية، عندما كان في العراق، في الحي نفسه الذي يقع فيه بيتنا، يا للصدفة؟ قلت له، ثم بدأ يحكي لي عن بعض الذكريات في بغداد، ودعته: سنلتقي في العراق ربما! قال ذلك وعيناه حرستا عبورنا باتجاه سوق الصاغة، وكلماته لحقت بنا لمسافة طويلة حتى انقطعت!
وفي النقطة التي يسمونها بين القصرين، وقفت طويلا في قلب المكان الذي يتوسط القصر الشرقي الكبير الذي بني للخليفة المعز لدين الله والقصر الغربي الصغير الذي بني للخليفة العزيز بالله ابن المعز. تذكرت أسرة سي السيد ، الأب المتزمت ذو الشخصية القوية، تذكرت أمينة و ياسين وفهمي وكمال و خديجة وعائشة.
ثم نبهني باسم إلى قصر الشوق، جهة حي الجمالية، البناء الذي شيد في عصر شجرة الدر، وكان لابد لنجيب محفوظ أن يحضر ثانية، قدم لنا السيد عبد الجواد: احك يا عبد الجواد لهم.
فسرد لنا الاحداث التي اعقبت وفاة فهمي في أحداث ثورة 1919 . حدثنا عن كمال الذي اصر على دخول كلية الحقوق مفضلا المعلمين لشغفه بالآداب والعلوم والفلسفة ، تحدث عن بناته وازواجهم ، عن زواج ياسين وانتقاله إلى بيته الذي ورثه عن أمه في قصر الشوق، في النهاية بدا لنا عبد الجواد حزينا، وهو يتحدث عن قصة وفاة سعد زغلول.
ولم يكن الوقت يسعفنا لكي ندخل ازقة السكرية، إحدى الحارات المتفرعة من شارع الغورية والملاصقة لباب زويله، أحد ابواب مدينة القاهرة فى سورها الجنوبي . لكن نجيب محفوظ لم يتركنا، أراد تعويضنا عن ضيق الوقت فحكى لنا عن وفاة ابني عائشة (محمد وعثمان) وزوجها متأثرين بمرض حمى التيفوئيد،
قال بنبرة حزينة إن عائشة التي كانت آية في الحسن والجمال، غدت امرأة يائسة تُدخِّن وتشرب القهوة طوال اليوم، ولم تبق لها سوى ابنتها نعيمة ذات الستة عشر عاماً. ثم تدخل نجيب محفوظ، قال إن أطفال السكرية بعد زمن طويل، كبروا وصاروا في مكان الصدارة، الشبان الذين نضجوا وأصبحت لكل منهم أهواؤه ومشاربه. تزوجوا وانجبوا، هؤلاء الذين ترونهم، هم الجيل الثالث من أهل السكرية.
والحقيقة أن زيارة الحسين تحتاج الى وقت طويل جدا، أن تفحص كل زاوية فيه، وكل أثر، هناك ممر صغير يلج منه الزوار إلى مقهى الفيشاوي من خان الخليلي” الذي أسسه الأمير جركس الخليلي قبل أكثر من ستمائة عام.
قال لي باسم، ربما سنزور الحي غدا، وعلى كل حال، الخان يتشكل من حَوارٍ وأزقة متداخلة كالمتاهة، بها محال لبيع الهدايا والملابس الفلكلورية والحلي والبردي والتماثيل المقلدة، أزقة يدلف الزائر منها لماض بعيد، فعراقة المعمار الإسلامي تتجلى في البنايات وأبوابها الكبيرة وأحجارها الضخمة ومشربياتها المزينة بالأرابيسك، وواجهاتها المرصعة بالنحاس.
ولا اعرف لحد الآن إن كنتُ قد مررتُ عند نهاية شارع الصاغة من جهة الشرق شارع المعز لدين الله الفاطمي، لم اعد أسأل ، فكل حجر في هذا الشارع يمثل قطعة فنية منفردة، غادرنا، تمتيت أن ابقى لأنهم يقولون أن مسجد المعز في المساء يتحول بفعل الإضاءة الى كتلة من الذهب. إلى جهة الشرق من المسجد تقع منطقة بيت الشاعر- هناك بيت قديم أمام قسم شرطة الجمالية، أسفله مقهى بلدي . في الدور الرابع من هذا البيت ولد نجيب محفوظ .وفي أقصى الشمال يوجد مسجد الأقمر، ومسجد الغوري ومسجد السلطان قلاوون وبيت السحيمي، وفي نهايته يقف باب النصر الذي كان الجيش المصري يدخل منه بعد عودته من المعارك.
غادرتُ حي الحسين لكن شيئا مني ظل هناك، طيفا هائما في الازقة، مشدودا للمنائر، وتائها بين الوجوه، بينما يد نجيب محفوظ كانت تلوح لي، مبتسما كأنه يرسل لي خطابا ينطوي على حقيقة أني سوف اعود الى القاهرة، إلى الحسين، وإلى نجيب محفوظ..
منقووول





