
كتب/ عبدالله صالح الحاج
– اليمن منذ اللحظة الأولى، لم تكن هذه المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل صراعًا على مفهوم الهيمنة ذاته
واشنطن، التي اعتادت أن تدخل الحروب بمنطق التفوق المطلق، وجدت نفسها أمام واقع جديد لم يكن في الحسابات. اليمن، الذي كان يُفترض أن يكون ساحةً مفتوحةً للعمليات العسكرية، استطاع أن يحول المواجهة إلى اختبارٍ حقيقيٍ لقدرة القوى الكبرى على فرض سيطرتها.
فاتورة الهيمنة.. وخسائر بلا مكاسب في البنتاغون، كانت الحسابات مبنية على فكرة التفوق الكامل،
وعلى افتراض أن الميزانيات الضخمة كفيلة بحسم المعركة خلال أيام. لكن ما حدث على الأرض كان شيئًا مختلفًا تمامًا. اليمن، الذي كان يُنظر إليه كمجرد هدف استراتيجي تحول إلى عامل معرقل لهيمنة واشنطن….حيث لم تؤدِ الضربات العسكرية إلى تغيير المعادلة، ولم تتمكن التكنولوجيا المتقدمة من فرض السيطرة.
وهذا ما أكده الباحث العسكري مايكل نايتس في معهد واشنطن، الذي أشار إلى أن التفوق الجوي الأمريكي لم يكن كافيًا لحسم المعركة، مما جعل واشنطن تعيد النظر في استراتيجيتها العسكرية في المنطقة. تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أكد أن الإنفاق العسكري الضخم لم يحقق النصر الحاسم، حيث تمكنت القوات اليمنية من إعادة تشكيل معادلة القوة، مما أجبر الجيش الأمريكي على اتباع تكتيكات جديدة لم تكن في الحسابات.
– 50 صاروخًا من طراز توماهوك أُطلقت في محاولة لتركيع الدفاعات اليمنية، لكن الرد كان أقوى من المتوقع
– 500 قنبلة JDAM ألقيت لتحقيق مكاسب عسكرية، لكن التحولات على الأرض أثبتت أن القوة الجوية وحدها لا تكفي
– سقوط مقاتلة F/A-18 لم يكن مجرد حادث عسكري، بل *إعلانًا بأن التفوق الجوي الأمريكي أصبح موضع شك** – إسقاط سبع طائرات ريبر كشف أن *الاستخبارات العسكرية لم تعد قادرة على العمل بحرية كما اعتادت
– تشغيل حاملات الطائرات في البحر الأحمر، بكلفة هائلة، لم يحقق النصر، بل أظهر أن السيطرة البحرية أصبحت محل تساؤل كل هذه العمليات، وكل هذه الخسائر، لم تغير جوهر المعركة
بل أثبتت أن اليمن كسر التصور الأمريكي للحروب الخاطفة، وجعل واشنطن تواجه معضلة لم تعهدها من قبل: الهيمنة العسكرية التي لا تؤدي إلى انتصار.
الصدمة العسكرية.. حين يصبح البحر الأحمر منطقة إعادة الحسابات في واشنطن، لم يعد السؤال عن :كيف سننتصر؟ بل كيف لم ننتصر رغم كل هذه القوة؟
. التقارير الاستخباراتية بدأت تعيد النظر في السيناريوهات، والخطط العسكرية أصبحت أكثر غموضًا، إذ لم يعد بالإمكان المضي بنفس الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، ذكر تقرير في مجلة فورين بوليسي أن تكاليف العمليات العسكرية الأمريكية في اليمن تجاوزت التوقعات بكثير، حيث أن تشغيل حاملات الطائرات والمدمرات كلف البنتاغون مئات الملايين من الدولارات دون تحقيق السيطرة الكاملة، وهو ما أشار إليه المسؤولون العسكريون بأنه نزيف استراتيجي مكلف. الباحث بروس ريدل في معهد بروكينغز أكد أن واشنطن اضطرت إلى إعادة تخصيص ميزانيات الدفاع بسبب الاستنزاف غير المتوقع في اليمن، ما يعكس فشل النهج العسكري في فرض الهيمنة كما كان متوقعًا.
اليمن، بقدراته *المحدودة مقارنة بواشنطن*، فرض واقعًا جديدًا، حيث لم تعد القواعد الأمريكية في المنطقة قادرة على العمل بحرية، ولم تعد التحركات العسكرية تعني بالضرورة الحسم. في البحر الأحمر، حيث كانت الهيمنة الأمريكية مطلقة، أصبحت *السفن الأمريكية تتحرك بحذر، والطائرات لم تعد تضمن السيطرة كما كان يُعتقد
تقرير لـ ذا أتلانتيك أوضح أن البحر الأحمر، الذي كان يُعد منطقة نفوذ أمريكية مطلقة، أصبح ساحة مواجهة أعادت ترتيب الحسابات، حيث أن العمليات اليمنية دفعت واشنطن إلى اعتماد تكتيكات دفاعية بدلاً من الهجوم المباشر. الخبير الأمني دوجلاس أوليفانت، مستشار الأمن القومي السابق، أشار إلى أن القوة البحرية الأمريكية لم تعد قادرة على المناورة بحرية في البحر الأحمر بسبب الهجمات اليمنية الدقيقة، ما أجبر واشنطن على إعادة التفكير في استراتيجية نشر قواتها البحرية في المنطقة.
اليمن.. حين تتحول الأرض إلى نص جديد للقوة
ما حدث في هذه الحرب لم يكن مجرد معركة بين قوتين غير متكافئتين، بل كان
لحظة إعادة تشكيل لمعادلة الهيمنة العسكرية
اليمن، الذي صمد في مواجهة واحدة من أعقد الحملات العسكرية، استطاع أن يهز الثقة في قدرة واشنطن على فرض إرادتها بالقوة
وهو ما لم يكن في حسابات المخططين العسكريين الأمريكيين.
الباحث أنثوني كوردسمان في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أوضح أن ما حدث في اليمن لم يكن مجرد صراع محلي، بل إعادة تقييم عالمية لمفهوم القوة العسكرية المطلقة، حيث لم تكن التكنولوجيا المتقدمة وحدها كافية لتحقيق الانتصار. تحليل في مجلة فورين أفيرز أشار إلى أن قدرة اليمن على مواجهة الهيمنة العسكرية الأمريكية كشفت ثغرات جوهرية في الاستراتيجية الأمريكية، وأظهرت أن مفهوم التفوق العسكري يحتاج إلى إعادة نظر.
نهاية الهيمنة المطلقة؟ اليوم، لم تعد الهيمنة العسكرية الأمريكية تعني النصر الحتمي، ولم تعد القوة المطلقة ضمانًا للحسم. بل أصبح واضحًا أن مفهوم الهيمنة ذاته يحتاج إلى مراجعة
وأن العالم دخل مرحلة جديدة لا تستطيع فيها واشنطن أن تحقق أهدافها بمجرد إطلاق الصواريخ وتحريك المدمرات. وهكذا، لم يكن ما حدث مجرد مواجهة عسكرية، بل
ضربة سياسية واستراتيجية لفكرة السيطرة المطلقة
حيث لم تكسب واشنطن الحرب، ولم تحقق الهيمنة، بل وجدت نفسها أمام واقع جديد لم تكن تتوقعه.
وبذلك، يصبح ما جرى في البحر الأحمر أكثر من مجرد صراع، بل إعادة تعريف لمعنى القوة في القرن الحادي والعشرين، حيث لم يكن الانتصار في المعركة مجرد تفوق بالسلاح، بل قدرة على فرض الإرادة، وهي القدرة التي استطاع اليمن أن يتفوق فيها على الهيمنة الأمريكية.





