
كفى تواطؤًا لاستنزاف المال العام
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي
القيادي العمالي المستقل، مؤسس ورئيس المجلس القومي للعمال والفلاحين تحت التأسيس
إن مصر اليوم تصرخ، والشعب بأكمله يئن تحت وطأة الفقر والظلم. لقد آن الأوان لنكشف كل أنواع الاستهتار وعدم كفاءة المسؤولين في إدارة موارد بلادنا. فالمسؤولية التي يتحملها هؤلاء ليست مجرد منصب أو لقب، بل هي أمانة في أعناقهم، وهم يمارسون الفشل بشكل متكرر دون حساب.
استنزاف الثروات الطبيعية
تعتبر الثروات الطبيعية من أعظم ما يملك أي وطن، فهي تمثل مستقبل الأجيال القادمة. ولكن ماذا يحدث عندما تُمنح الرخص لأشخاص للتنقيب عن الذهب؟ هنا تبدأ خيانة الوطن، فبدلاً من استغلال هذه الثروات لصالح الشعب، نجد أن هناك مستثمرين يعبثون بها ويخرجون بأرباح طائلة، بينما لا تصل إلى خزينة الدولة أو المواطن العادي أي فائدة.
تجربة منجم السكري: درسٌ قاسٍ
لنأخذ تجربة منجم السكري مثالًا على ذلك. لقد كانت الآمال معقودة على هذا المنجم ليكون مصدرًا للثراء وتحسين الظروف الاقتصادية في البلاد، لكن النتائج كانت مخيبة للآمال. فالمسؤولون الذين وُكل إليهم إدارة هذا المشروع قد فشلوا في تحقيق العوائد المتوقعة، وأُهدرت ثروات لا تُقدّر بثمن. أليس من الغريب أن تكون هذه الأرقام المخيفة موجودة على الورق بينما لا نشعر بتأثيرها في حياتنا اليومية؟
الفقر والجوع: واقع مرير
ما يثير الغضب أكثر هو أن الشعب المصري لا يزال يعيش تحت خط الفقر. في الوقت الذي تُسرق فيه ثروات البلاد، يجد المواطن نفسه مضطرًا للاختيار بين قوت يومه وعلاج أبنائه. إن هذه الحالة من الإهمال والتجاهل لم تعد مقبولة. فالمسؤولون يتقاضون رواتبهم ويتخذون قراراتهم بعيدًا عن معاناة الناس، مما يعكس انعدام الكفاءة والإرادة السياسية لتحسين الوضع.
تواطؤ المسؤولين
إن التواطؤ الذي نشهده اليوم يتجاوز الفساد المالي، فهو يعبر عن استهتار فاضح بمصير وطن بأكمله. كيف يُعقل أن يتم منح رخص للتنقيب عن الذهب لأفراد، بينما يُمنع المصريون من الاستفادة من ثرواتهم؟ إن هذا الأمر يكشف عن تحالفات خفية بين بعض المسؤولين وأشخاص يسعون لتحقيق مكاسب شخصية على حساب مصلحة الوطن.
القطاع الخاص: أداة للاستغلال
تحت ذريعة جذب الاستثمار، يتم منح الشركات الأجنبية امتيازات ضخمة، دون مراعاة للمسؤولية الاجتماعية أو التأثير السلبي على المجتمعات المحلية. إن القطاع الخاص، في كثير من الأحيان، يتحول إلى أداة لاستغلال الموارد الطبيعية وليس لتطويرها. لذلك، يجب أن تُعاد النظر في سياسة استقدام المستثمرين، بحيث تكون هناك ضوابط واضحة تضمن أن تعود ثروات البلاد بالنفع على الشعب.
أهمية التعدين الوطني
التعدين يجب أن يكون تحت إدارة الدولة وبأيدٍ مصرية. إن الثروات الطبيعية هي حق للجميع، وليس لفئة معينة. لذا، يجب على الدولة أن تستثمر في تطوير قدرات أبنائها، سواء من خلال التعليم أو التدريب المهني، لكي نكون قادرين على استثمار ثرواتنا بأنفسنا. فالتعدين ليس مجرد استخراج للمعادن، بل هو عملية معقدة تحتاج إلى مهارات وكفاءات محلية.
مستقبل خالٍ من الفساد
إن مستقبل مصر يعتمد على تصحيح الأوضاع الحالية. يجب أن تكون هناك رؤية واضحة للتنمية، تعتمد على الشفافية والمحاسبة. إذا أردنا أن نبني وطنًا قويًا، فعلينا أن نضع حدًا لكل أنواع الفساد والاستغلال. يجب أن يتمكن المواطنون من الوصول إلى المعلومات المتعلقة بإدارة مواردهم، وأن تُتاح لهم الفرصة للمشاركة في صنع القرار.
صوت الشعب
يجب أن يسمع صوت الشعب، وأن تُعطى الأولوية لمصالحه. على المسؤولين أن يدركوا أن وجودهم في المناصب ليس بديهيًا، بل هو نتيجة لإرادة الشعب. لذا، يجب أن يتحلى هؤلاء بالجرأة للتصدي للفساد والممارسات الخاطئة التي تعيق تقدم البلاد. لن نستطيع أن نبني مستقبلًا أفضل ما لم نعترف بخطأنا ونواجه التحديات بوضوح.
دعوة للتغيير
إن الوقت قد حان لنطالب جميعًا بالتغيير. يجب أن نتكاتف كأفراد ومؤسسات، لنقف ضد كل أشكال الاستغلال. من الضروري أن نكون جزءًا من الحل، وأن نتعاون جميعًا في عملية الإصلاح. يجب أن نضغط من أجل الشفافية والمساءلة، وأن نطالب بحقوقنا كأبناء هذا الوطن.
خلاصة
إن الوضع الحالي يتطلب منا اتخاذ خطوات جادة نحو التغيير. فالشعب المصري يستحق أكثر من مجرد وعود، وهو بحاجة إلى عمل ملموس يُظهر اهتمام المسؤولين بمصالحه. علينا أن نتحد ضد الاستهتار وعدم الكفاءة، ونعمل جميعًا نحو مستقبل أفضل.
لنضع حداً لهذا العبث، ولنكن صوت الحق في وجه الفساد. كفى من الاستنزاف، وكفى من التواطؤ. مصر بحاجة إلى تغييرات جذرية، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بوعي وإرادة الشعب. فالوطن أمانة في أعناقنا جميعًا، ولن نسمح بالعبث بمقدراته.






