أخبارأخبار الأسبوع

يوم كامل فى حياة طفل التوحد

يوم كامل فى حياة طفل التوحد

بقلم د / سهير محمود عيد

استشارى صحة النفسية والإرشاد الأسرى

عضو فى اتحاد المعالجين النفسيين العرب
‘ وراء كل طفل توحد عالم خاص ينتظر من يفهمه لا من يغيره’
مع بزوغ شمس يوم جديد ، تستيقظ الأم على صوت خطوات صغيرة تتحرك نحو المطبخ . ‘ آدم ‘ ، طفل فى السابعة من عمره ، يبدأ يومه مبكراً كعادته ، قد لا يفتح حديثا مع أحد ، لكنه يعرف جيدا أين لعبته المفضلة وكتابه المصور . بالنسبة لعائلته هذه التفاصيل الصغيرة هي إشارات حب وتواصل يقدرونها بعمق.
تبدأ الام بتحضير الإفطار ، وتضع له

الطعام فى طبق ثابت الشكل واللون ، لأن ادم يجد راحته فى الروتين ، اى تغيير مفاجيء ، حتى لو شكل الطبق قد يثير قلقه . جلست الأسرة حول المائدة ، وبدلا من الإلحاح عليه بالكلام ، منحوه وقتا ليعبر بطريقته . ابتسامة بسيطة ونظرة طويلة إلى والده ، كان يقول الكثير .
بعد الإفطار ، حان وقت المدرسة. طريق الذهاب ليس مجرد انتقال مكانى ، بل هو تحد يومى للأسرة . اصوات السيارات ، ازدحام الشوارع ، وحتى رائحة الجو

تكون مسيرة لحساسيته. لذلك تحرص الأم على أن تحمل معه سماعات الأذن لتخفيف الضوضاء . حين يصل إلى المدرسة ، يبدأ الجزء الأهم : الإندماج مع الآخرين.

فى الفصل : يجلس آدم بجوار معلمته التي تدربت على أساليب التربية الخاصة . الأطفال فى البداية لم يفهموا صمته أو سلوكياته المتكررة ، لكن بفضل توعية المعلمة أصبحوا أكثر تقبلا له .
ذات يوم ، طلبت المعلمة من الجميع رسم شىء يحبونه ، امسك آدم اقلامه وبدء يرسم بينا مليئا بالالوان ، بدقة أدهشت الجميع . حين عرضت المعلمة رسومات

الطلاب ، صفق أصدقاؤه بحرارة ، فابتسم آدم ابتسامة عريضة لم ينسها أحد .
مع انتهاء اليوم الدراسي ، عاد آدم إلى بيته ، جلس فى غرفته يلعب بقطع المكعبات ، يصنع منها أشكالاً مرتبه بعناية . جلست أمه بجواره لا لتملى عليه ما يفعل ، بل لتشاركه صمته وتحتفل بانجازه .

فى المساء اجتمع إخوته لمشاهدة الرسوم المتحركة . ورغم أنه لم يشارك فى كل الضحكات ، إلا أن وجوده بينهم كان يحمل معنى كبيراً : الانتماء .
حين حل الليل ، رتبت الأم أغراضه بعناية كما اعتاد ، ووضعت بجانبه لعبته المفضلة وقبلت جبينه قائلة : احبك كما انت . ربما لم يرد عليها بالكلمات ، لكنه وضع يده الصغيرة على يدها ، وكأنه يقول لها ويرد عليها بلغته الخاصة وانا أيضاً احبك

هكذا يمضى يوم كامل فى حياة طفل التوحد ، تفاصيل دقيقة قد لا ينتبه لها ، لكنها بالنسبة له عالم من الطمأنينة .
الأسرة بالصبر والاحتواء تجعل يومه أكثر سلاسة ، والمجتمع بالتقبل والوعى يمنحه فرصة ليظهر بطريقته الخاصة .

” اللهم ارزق كل أسرة صبراً ورضا ، وامنح أطفال التوحد حبا وطمأنينة فى قلوب من حولهم ، وافتح لهم ابواب النجاح والسعادة ، وبارك فى اختلافهم ليكون نورا يضيء للعالم بأسره “

رجب حموده

ريس قطاع شمال الصعيد للاسبوع العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى