أخبار

نهاية حكاية حياة

نهاية حكاية حياة

نهاية حكاية حياة

بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان

(نجاح رضوان)

يحلّ عليّ هذا اليوم، حاملاً معه أثقل أنواع الأسف وأكثرها مرارة، إذ أجدني اليوم عاجزاً، بكل ما أوتيت من خيالٍ ولهفة، عن ابتكار حُجّة جديدة أو ذريعةٍ واهية تمنحني حق الحديث معك من جديد. يؤسفني، والأسفُ هنا غصةٌ تملأ المدى، أنني لن أتمكن من إخبارك عن فيض حُبّي الذي لا ينضب، ولا عن تلك الأشواق التي ظننتُ يوماً أن أسوارها قد تهاوت وتساوت بثرى الأرض، فإذا بها اليوم تطاول عنان السماء، شامخةً في عزلتي، محصنةً ضد النسيان، وكأنها بُنيت لتكون ضريحاً لأحلامي التي لم تكتمل.يؤلمني، ويفتّ في عضدي أكثر، أن قلبي ما زال عالقاً هناك، عند تلك العتبة الأولى، عند الكلمة التي احتبست في الحناجر ولم تُقَل، وعند النظرة الأخيرة التي انكسرت في منتصف الطريق قبل أن تصل إلى شاطئ عينيك. أشعر وكأن الزمن، في لحظة سخريةٍ قاسية، قد تعمّد أن يتركني وحيداً في تلك النقطة الزمنية، معلقاً في برزخٍ موحش بين “ما كنتُ أتمناه” وبين “ما كان يجب أن يحدث”. لقد بذلتُ جهوداً مضنية لأقنع نفسي بأن الغياب ليس سوى مسافة جغرافية يمكن طيها، لكنني أدركتُ، بعد فوات الأوان، أن بعض الغيابات تتحول إلى منافٍ أبدية تسكننا، وأن الصمت الذي يغلفنا الآن قد غدا حكماً مؤبداً لا يقبل الاستئناف ولا الرجوع.

إن كل ذرة في كياني، وكل نبضة في عروقي، تعرف اسمك حق المعرفة؛ حتى الوجع الذي ينهش روحي بات ينطق حروفك دون تردد، وكأنه لغته الوحيدة. وحتى تلك الذكريات، حين يهدأ ضجيج الحياة وتخلد النفس إلى سكونها، تعود لتوقظني على هيئة حنينٍ مُرهِق، حنينٍ غريب لا يطالب بلقاءٍ مستحيل ولا يرجو وداعاً أخيراً، بل يكتفي بأن يثبت لي، في كل مرة، أن ما كان بيننا لم يكن طيفاً عابراً أو سحابة صيف، بل كان حقيقةً حفرت مجراها في أعماق الروح.

ورغم كل هذا الشتات، فإني لا أملك لكِ لوماً ولا عتاباً، فقد علمتني الأيام أن بعض القلوب لا تغلق أبوابها جفاءً أو نكراناً، بل لأنها أُنهكت من فرط الشعور، وتعبت من الوقوف في مهب الانتظار، فأوصدت أبوابها لترمّم ما تبقى من هشاشتها. إن ما يمزقني حقاً هو إدراكنا المتأخر بأنني كنتُ أحتاجكِ بصمتٍ عميق، وأحببتكِ بصدقٍ فاق طاقتي على الاحتمال، صدقٍ كان من النبل بحيث لم يعرف كيف ينجو في عالمٍ يقدّس الزيف.

أنا الآن، وفي غمرة هذا الفقد، أتعلم قسراً كيف أتعايش مع نقصكِ الفادح، وكيف أرمّم انكسارات روحي دون أن أستعير صدى صوتكِ ليشدّ أزري. سأترك لكِ تلك المسافات الشاسعة كما أردتِها، وسأحتفظ لنفسي بهذا الحزن النبيل، هذا الحزن الذي سأرعاه كإرثٍ مقدس، لعلّه يهدأ يوماً ما، أو لعل قلبي يعتاد طعم الفقد، حتى لا يرتجف ولا يتألم حين يمرّ اسمكِ صدفةً في زوايا ذاكرتي المثقوبة. سأبقى هنا، أحرس بقاياي، وأعلم أن أجمل الحكايات هي تلك التي بقيت ناقصة، لأن كمالها كان سيقتلها، ونقصها هو ما جعلها خالدة في وجعنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى