
نسك إسلامي إظهاره عبادة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمد لله الذي خلق الأرض والسموات، الحمد لله الذي علم العثرات، فسترها على أهلها وأنزل الرحمات، ثم غفرها لهم ومحا السيئات، فله الحمد ملء خزائن البركات، وله الحمد ما تتابعت بالقلب النبضات، وله الحمد ما تعاقبت الخطوات، وله الحمد عدد حبات الرمال في الفلوات، وعدد ذرات الهواء في الأرض والسماوات، وعدد الحركات والسكنات، وأشهد أن لا إله إلا الله لا مفرّج للكربات إلا هو، ولا مقيل للعثرات إلا هو، ولا مدبر للملكوت إلا هو، ولا سامع للأصوات إلا هو، ما نزل غيث إلا بمداد حكمته، وما انتصر دين إلا بمداد عزته، وما اقشعرت القلوب إلا من عظمته، وما سقط حجر من جبل إلا من خشيته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قام في خدمته، وقضى نحبه في الدعوة لعبادته.
وأقام اعوجاج الخلق بشريعته، وعاش للتوحيد ففاز بخلته، وصبر على دعوته فارتوى من نهر محبته، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واستن بسنته وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، ذكرت كتب الفقه الإسلامي الكثير والكثير عن الأضاحي وقيل إن الكفار يذبحون لأصنامهم، وهذه الأضحية سنة مؤكدة في قول أكثر أهل العلم، والواجبة في قول البعض الآخر، وهذا النسك الإسلامي إظهاره عبادة، وأما تحويله إلى صدقات مالية، أو إخراجه من البلد فليس من السنة، بل السنة أن يبقى في البلد، ويُظهر فيها، عبادة تظهر، وسنة تحيا، ودليل على التوحيد يقام، وشاهد على الامتثال لأمر الله تعالى يحقق، والإنسان إذا كان له أضحية أشهرها في بلده، وعنده أضاحى أخرى لأموات، أو لغيرهم فأرسلها إلى أماكن أخرى من بلاد المسلمين.
المحتاجين لتذبح عندهم فلا بأس بذلك، لكن لا يخرجها، ويصرفها عن مكانه فربما تخلو الأضحية من البلد لو أنهم اتفقوا على ذلك، ولكن قد يُخرج الإنسان الأضحية للحاجة خارج البلد، كأن يكون غير قادر على شراء أضحية هنا، ولكن ما معه من المبلغ يكفي لأضحية هناك، فهذا أحسن من أن يبقى بلا أضحية هنا، وأن هذه الشاة الواحدة التي تجزئ عن الإنسان وأهل بيته وعياله، ولو كان فيهم من يعمل، ويكسب المال، ما دام اجتماعهم في معيشتهم واحدا، طعامهم وشرابهم، ونفقتهم واحدة، معيشتهم واحدة، زادهم واحد، أضحية واحدة، فإن انفصلوا في النفقات والطعام، وإن انفصلوا في المعيشة، فلكل أضحيته، ومن أحكام الأضحية أنه ينبغي لمن أراد أن يضحي أن يمسك عن الأخذ من شعره وأظفاره وبشرته من دخول العشر إلى أن يذبح أضحيته، لقوله صلى الله عليه وسلم.
“إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره” أى حتى يضحي، وفي رواية” فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئا” رواه مسلم، وهذا أمر للوجوب، ونهي للتحريم على أرجح الأقوال لأنه أمر مطلق، ونهي مجرد لا صارف لهما فليمسك عن شعره وأظفاره، فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئا، ولعل الله لما علم ضعف المقيمين عن الذهاب إلى الحج عوضهم بشيء فيه مشابهة الحجاج، وسلوانا، وتسلية لأنفسهم، إذا رأوا عباد الله، وفد الله ذاهبون، وهم قاعدون في البلاد، فجعل لهم شيئا من النسك يشابهون فيه الحجاج، ومن تعمد الأخذ من شعره وأظفاره فعليه أن يستغفر إلى الله، ويتوب، ولا فدية، وأضحيته صحيحة.
لكنه أنقص أجره ووقع في الحرج نتيجة معصيته لأمر رسول الله ونهيه صلى الله عليه وسلم، ومن احتاج إلى أخذ شيء من ذلك لتضرره ببقائه كانكسار ظفر، أو جرح عليه شعر يتعين أخذه، أو حجامة احتاج إليها لمرض فلا بأس لأنه ليس أعظم من المحرم الذي أبيح له الحلق للأذى.





