نبأ الجنتين: حين يطغى المال على البصيرة
قلم/وائل عبد السيد
في قديم الزمان، جمعت الأقدار بين رجلين في حوارٍ خلده الزمن. أحدهما كان غارقاً في نعم الله، يمتلك بستانين عظيمين، لم تكن مجرد أرض زراعية، بل كانت “جنتين” من الأعناب المحاطة بسوار من النخيل الباسق، وبينهما زروع نضرة، وتجري من تحتهما الأنهار لتروي عطش الأرض دون عناء. كانت الأرض معطاءة، لا تبخل عليه بثمرة واحدة.
لحظة الغرور
ذات يوم، استبد الكبر بصاحب الجنتين، فدخل بستانه وهو يختال في مشيته، يملأ صدره هواء الغرور. نظر إلى صاحبه الفقير بازدراء وقال: “أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً”. لم يقف طغيانه عند التباهي بالمال، بل امتد لقلبه فشك في الأبدية وقال: “ما أظن أن تبيد هذه أبداً”، بل وتمادى في جحوده فأنكر قيام الساعة، وظن أن عطاء الله له في الدنيا هو صك استحقاق في الآخرة إن وجدت!
صوت الحق الهادئ
أمام هذا الطوفان من الكبر، وقف الصاحب الفقير (الغني بإيمانه) ليذكره بأصله: “أكفرت بالذي خلقك من تراب؟”. حاول أن يوقظ قلبه من غفلته، ناصحاً إياه أن ينسب الفضل لأهله، وأن يردد دائماً: “ما شاء الله لا قوة إلا بالله”، محذراً إياه من تقلبات الزمان ومن قدرة الله على أن يحول هذا الخضار إلى صعيد زلق (أرض جرداء) في طرفة عين.
الفاجعة والندم
لم تمضِ أيام حتى نزل القضاء. وفي ليلة هادئة، أرسل الله “حسباناً” من السماء، صاعقة دمرت كل شيء. استيقظ الرجل ليجد جنته “خاوية على عروشها”، الأشجار محطمة، والثمار تالفة، والماء غائراً في الأرض.
هنا، وفي وسط الرماد، سقط الغرور. وقف الرجل يقلب كفيه يميناً ويساراً بحسرة مريرة على أمواله التي ضاعت وعمره الذي أنفقه في التكبر، وصرخ بكلمة الندم المتأخر: “يا ليتني لم أشرك بربي أحداً”.
ما نتعلمه من المشهد
تواضع النعمة: المال وسيلة وليس غاية، والاعتراف بفضل الله هو القيد الذي يحفظ النعم.سر الكلمة: “ما شاء الله لا قوة إلا بالله” ليست مجرد ذكر، بل هي إقرار بأن القوة لله وحده.وهم الخلود: لا شيء في الدنيا يدوم، والجمال المادي قد يزول في لحظة ليبقى العمل الصالح.





