أخبارأخبار الأسبوعالأسبوع العربي

مقبرة القرون وملحمة الدم

الشرق الأوسط.. مقبرة القرون وملحمة الدم التي لا تنتهي

بقلم الكاتب / إبراهيم رمضان الهمامـــــــــــــي

الشرق الأوسط لم يعد مجرد إقليم جغرافي على الخريطة، بل تحوّل إلى مرآة دامية تعكس ماضي البشرية وصراعاتها، وحاضرها الممزق، ومستقبلها المجهول. فمنذ عقود طويلة، والمنطقة أشبه بقدر يغلي فوق نار لا تهدأ، تُضاف إليه بين الحين والآخر مكونات جديدة من نزاعات، وصراعات، وتدخلات خارجية، فتشتعل أكثر وتزداد احتقاناً. وإذا استثنينا الحرب الأوروبية الجارية في أوكرانيا، نجد أن أكثر بقاع الأرض دموية تتمركز في الشرق الأوسط، حيث يتكرر المشهد نفسه: أرض محروقة، شعوب مشردة، دماء تسيل، وأحلام تتحطم.

 

في غزة، التي تحولت منذ حرب أكتوبر 2023 إلى جرح مفتوح، لم تعد الأرقام قادرة على وصف حجم الكارثة. مئات الآلاف من الشهداء والجرحى، بيوت سُويت بالأرض، مدارس تحولت إلى مقابر جماعية، ومستشفيات لم تعد قادرة على استقبال المزيد من الجرحى. غزة اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة، بل رمز للمأساة الإنسانية الكبرى في القرن الحادي والعشرين. هناك تُختبر الضمائر العالمية، وهناك يُكتب تاريخ من الدم والمقاومة في آن واحد.

 

في السودان، تتكرر الملحمة السوداء بوجه آخر، حيث تشتعل الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، لتلتهم عشرات الآلاف من الأرواح، وتدفع ملايين إلى النزوح القسري. دارفور والخرطوم لم تعودا مجرد مدن أو ولايات، بل صارتا عنواناً لمعاناة أمة تبحث عن السلام في بحر من الدم. الحرب هنا ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي انعكاس لانقسام عميق خلفته عقود من التهميش والإرث الاستعماري وحدود سايكس بيكو التي زرعت بذور الفتن الطائفية والعرقية.

 

أما سوريا، ورغم مرور أكثر من عقد على انفجار الحرب الأهلية، فإن النار لم تنطفئ بعد. صحيح أن حدتها خفت مقارنة بسنوات 2012–2015 التي شهدت أفظع المجازر، لكنها ما زالت تشتعل في الشمال، حيث قوى دولية وإقليمية تتصارع بالوكالة، وحيث المواطن السوري يدفع ثمن معادلات لا يملك فيها أي قرار. سوريا اليوم جسد متعب مثقل بالركام، ينهض بين الحين والآخر ليجد نفسه مجدداً في قلب صراع بلا نهاية.

 

اليمن بدوره يعيش مأساة طويلة الأمد. رغم المفاوضات ومحاولات التهدئة، فإن النزاع هناك ما زال جرحاً ينزف كل يوم، يضيف إلى سجلات الموت عشرات الضحايا. البلاد التي كانت تُعرف بـ”اليمن السعيد” لم تعد تعرف معنى السعادة، إذ تحولت إلى أرض صراع إقليمي ودولي تتجاذبها القوى، تاركةً وراءها شعباً يكابد الفقر والمجاعة والأوبئة، فوق معاناته من الحرب المستمرة.

 

هذه المآسي ليست حوادث عابرة، بل لها جذور عميقة. فالجغرافيا هنا أقرب إلى لعنة تاريخية؛ المنطقة تقع في قلب العالم، ملتقى آسيا وأوروبا وأفريقيا، وهي عقدة طرق التجارة الدولية وممر الطاقة العالمي. قناة السويس، مضيق هرمز، وباب المندب ليست مجرد أسماء على الخريطة، بل أوردة الاقتصاد العالمي، ومن يسيطر عليها يسيطر على حركة العالم. هذه الجغرافيا جعلت الشرق الأوسط ساحة دائمة للتنافس الدولي، ومسرحاً لصراعات القوى الكبرى القديمة والحديثة.

 

الثروات الطبيعية، وعلى رأسها النفط والغاز، زادت الطين بلة. ما كان ينبغي أن يكون باباً للتنمية والرخاء تحول إلى ما يسميه الباحثون “لعنة الموارد”، إذ جلب التدخلات الأجنبية، وأشعل الصراعات، وفتح أبواب الفساد والاعتماد على الخارج. من ليبيا إلى العراق، ومن الخليج إلى شمال أفريقيا، كان الذهب الأسود وقوداً للحروب بقدر ما كان مصدراً للثروة.

 

ولا يمكن أن نغفل الإرث الاستعماري الثقيل الذي ما زال يلقي بظلاله حتى اليوم. الحدود التي رسمت على الورق في اتفاقية سايكس–بيكو 1916، لم تراعِ تنوع الشعوب وثقافاتها، فخلقت كيانات هشة تحمل بذور الانقسام. لم يكن غريباً أن تتحول هذه الحدود إلى خطوط نار، وأن تبقى الأقليات والقوميات المختلفة وقوداً لصراعات متكررة.

 

لكن الأخطر من كل ذلك هو الأزمة البنيوية في الفكر السياسي العربي. فلا يزال العقل السياسي العربي يتأرجح بين ثلاثة تصورات: الدولة الوطنية التي لم تنضج بعد على أسس المواطنة والعدل، والدولة القومية التي استُوردت من أوروبا دون أن تُطور بما يناسب الواقع، والدولة الأممية التي تتبناها جماعات راديكالية تبحث عن مشروع عابر للحدود. هذا الاضطراب جعل المنطقة عاجزة عن التوصل إلى صيغة مستقرة للحكم، ومهّد الطريق للتدخلات الخارجية والاقتتال الداخلي.

 

القضية الفلسطينية، منذ 1948 وحتى اليوم، هي الجرح المركزي الذي يضخ الدماء في عروق الصراع. الاحتلال الإسرائيلي لم يكن مجرد نزاع حدودي، بل أصبح محوراً يعيد تشكيل الخريطة السياسية والفكرية في المنطقة. الانقلابات السياسية، الانقسامات الفكرية، وحتى أشكال العنف الراديكالي، كلها تأثرت بهذا الصراع الذي جعل المنطقة تعيش على صفيح ساخن دائماً.

 

ثم جاء الربيع العربي في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ليفتح أبواباً جديدة من الفوضى. ما بدأ كحراك شعبي ضد الفساد والاستبداد، تحوّل سريعاً إلى انفجارات عنف وحروب أهلية، كشفت هشاشة الدولة الوطنية وعجز النخب السياسية عن قيادة التحولات. وبدلاً من أن يولد ربيعاً، فتح الباب أمام خريف طويل من الدم والفوضى.

 

كل حرب في هذه المنطقة لا تبقى محلية، بل تتحول سريعاً إلى حرب بالوكالة. سوريا صارت ساحة مواجهة بين روسيا والغرب، واليمن تحولت إلى ساحة صراع إقليمي، والسودان مثال على حرب منسية لا تلتفت إليها المؤسسات الدولية إلا لماماً. العالم يتعامل مع دماء هذه الشعوب بانتقائية صادمة؛ بعض النزاعات تحظى باهتمام دولي واسع، فيما نزاعات أخرى تُترك لتأكل شعوبها بصمت.

 

استمرار هذه الحروب يعني أن مستقبل المنطقة سيظل رهينة جماعات العنف والراديكالية، وأن الأجندة السياسية ستكتب بالدم لا بالحبر. ومن دون مبادرات عربية جادة، تخرج من رحم الدول التي ما زالت تحتفظ بقدر من الاستقرار، فإن هذه الدوامة ستستمر جيلاً بعد جيل. لا بد من مؤتمر عربي شامل، يجمع قوى التعافي، ليعيد التفكير في صياغة مستقبل يقوم على المواطنة والعدل والسيادة، وإلا فإن التاريخ سيبقى يعيد نفسه في دوائر لا تنتهي من الدم.

 

إن الحروب وُلدت في عقول البشر، وفي عقول البشر يجب أن تُدفن. لكن السؤال المؤلم: هل قرر أبناء هذه الأرض بعد كل ما عانوه أن يدفنوا الحرب، أم أنهم سيواصلون دفن أبنائهم جيلاً بعد جيل؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى