أخبارمنوعات

قوانين العمل في مصر

قوانين العمل في مصر: عفا عليها الزمن وتحولت إلى أدوات استغلال وتهميش

بقلم : القيادي العمالي المستقل محمد عبدالمجيد هندي مؤسس ورئيس المجلس القومى للعمال والفلاحين تحت التأسيس

من واقع الحياة اليومية للطبقة العاملة في مصر، أصبح من الواضح أن قوانين العمل الحالية، سواء في القطاع العام أو الخاص، قد أضحت غير قادرة على تلبية احتياجات العمال أو تحقيق العدالة الاجتماعية. على العكس تمامًا، تحولت هذه القوانين إلى أدوات استغلال وتعسف، تساهم في تأجيج معاناة العمال بدلاً من أن تكون سُبل حماية لهم.

قانون العمل الموحد رقم 12 لسنة 2003: عفا عليه الزمن

يعد قانون العمل الموحد رقم 12 لسنة 2003 واحدًا من أقدم القوانين التي تحدد العلاقة بين العامل وصاحب العمل في القطاع الخاص، ورغم مرور أكثر من عقدين من الزمن على إقراره، إلا أنه لا يزال يتسم بالقصور الواضح في تأمين حقوق العمال. فالعلاقات بين العامل وصاحب العمل، في ظل هذا القانون، تحكمها غالبًا معايير غير عادلة، تُتيح لصاحب العمل التحكم الكامل في مصير العامل دون ضوابط حقيقية لحمايته.

في مقدمة هذه القضايا نجد مشكلة ساعات العمل الطويلة التي قد تصل إلى 12 ساعة يوميًا، دون أن يترتب عليها أي تعويض مادي عادل. ففي كثير من الحالات، يجد العامل نفسه مجبرًا على العمل لساعات إضافية مرهقة دون مقابل حقيقي يعكس جهده. إضافة إلى ذلك، يُلزم القانون العمال بعقود مؤقتة في معظم الأحيان، لا تضمن لهم الاستمرارية الوظيفية أو حتى أية ضمانات للعمل طويل الأمد. وهذا يعني أن العامل قد يُفصل في أي وقت ودون سابق إنذار أو حق في التعويض، ما يُبقيه دائمًا في حالة من التوتر والقلق.

قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016: أداة لتسريح الطبقة العاملة

أما في القطاع العام، فإن قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016، الذي كان يُفترض أن يكون خطوة نحو تطوير الجهاز الإداري للدولة، فقد تحول إلى أداة لتسريح الطبقة العاملة في القطاع الحكومي تحت مسمى “الإهمال” أو “تعاطي المخدرات”. القانون يمنح سلطات واسعة للجهات الحكومية لتسريح الموظفين استنادًا إلى تقارير غير دقيقة في كثير من الأحيان، وقد تؤدي هذه التقارير إلى فصْل موظفين ذنبهم الوحيد هو أنهم أصبحوا ضحايا لتقرير تعسفي أو غير موضوعي.

تحت هذا القانون، نجد أن الموظف الذي قد يتعرض لمواقف صعبة أو مشكلات قد يتم فصله مباشرة بناءً على اتهامات قد لا يكون له فيها أي دور، ودون منحهم الفرصة للدفاع عن أنفسهم أو تقديم أي إثباتات لبراءتهم. في النهاية، يجد العامل نفسه محاطًا بالتهديدات المستمرة بفقدان عمله دون أي حماية حقيقية، وتُجرف حياته المهنية والاجتماعية بالكامل.

غياب الأمان الوظيفي وسوء بيئة العمل: ضغوط متزايدة

أكبر مشكلتين تواجهان الطبقة العاملة في مصر هما غياب الأمان الوظيفي وسوء بيئة العمل. ففي القطاعين العام والخاص، يعاني العاملون من ظروف عمل سيئة للغاية، تشمل ساعات العمل الطويلة التي تتجاوز الحد الطبيعي، وعدم توفر اشتراطات السلامة المهنية التي تضمن لهم بيئة عمل آمنة. العديد من العمال في المصانع والمؤسسات لا يحصلون على الرعاية الكافية إذا تعرضوا لإصابة عمل، ما يعرضهم لمخاطر صحية دائمة، دون أي تعويضات حقيقية تكفل لهم حياة كريمة بعد الإصابات.

أما من الناحية النفسية، فإن العاملين في كلا القطاعين يعانون من ضغوط نفسية كبيرة، ناتجة عن الخوف المستمر من فقدان مصدر رزقهم بسبب القوانين المجحفة التي تتيح لصاحب العمل فصلهم دون سبب قانوني أو منطقي. هذا القلق الدائم يؤدي إلى تأثيرات سلبية على الصحة النفسية والجسدية للعمال، ويزيد من معاناتهم اليومية.

الوعود التشريعية: محلك سر

رغم الوعود المتكررة من قبل الدولة بإصلاح قوانين العمل وتوفير بيئة عمل أكثر أمانًا وعدالة، فإن الواقع على الأرض لا يزال بعيدًا عن هذه الوعود. فحتى الآن، لم يتم إقرار أي تعديلات جذرية على قانون العمل الموحد أو قانون الخدمة المدنية، بل إن العديد من القوانين التي تم تمريرها تزيد من معاناة العمال بدلاً من أن تحسن أوضاعهم.

المطالب الحقيقية التي يجب أن تترجم إلى تشريعات فعلية هي توفير عقود عمل ثابتة تضمن الاستقرار الوظيفي، وإلغاء كافة بنود القوانين التي تتيح فصْل العمال بقرارات تعسفية. كما يجب أن يتم تفعيل قوانين تأمين صحية واجتماعية عادلة تشمل جميع العمال، بالإضافة إلى تحديد ساعات العمل بشكل مناسب، مع أجر عادل مقابل الساعات الإضافية.

نداء إلى الحكومة والبرلمان: حقوق العمال أولوية

في ظل هذه التحديات التي تواجهها الطبقة العاملة في مصر، فإن الحل يكمن في إعادة صياغة قوانين العمل بشكل يعكس الواقع الاجتماعي والاقتصادي، ويضمن للعمال حقوقهم الأساسية. لا بد من أن تضع الحكومة والبرلمان قانونًا جديدًا يعمل على حماية حقوق العمال بشكل حقيقي، ويُسهم في تحسين بيئة العمل وجعلها أكثر استقرارًا وأمانًا. يجب أن تُعتبر الطبقة العاملة شريكًا في بناء الاقتصاد الوطني، لا مجرد أداة تُستخدم وتُستغل.

وفي الختام، أؤكد كقيادي عمالي أنني سأظل ملتزمًا بالدفاع عن حقوق العمال بكل ما أملك من قوة وإصرار، ولن أتوقف عن المطالبة بتعديل هذه القوانين الجائرة حتى نصل إلى العدالة الاجتماعية التي تليق بالعامل المصري. إن كرامة العامل ليست مجرد مطالبة عابرة أو شعارات تردد، بل هي حق أصيل يجب أن يتمتع به كل فرد يعمل بجد واجتهاد في هذا الوطن. وسنستمر كطبقة عاملة في نضالنا المشروع لاستعادة حقوقنا كاملة، بكل الوسائل القانونية والديمقراطية، إلى أن يتحقق الأمان الوظيفي والعدالة التي يستحقها كل عامل في مصر.

قوانين العمل في مصر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى