
عودة أمل دنقل
بقلم: أحمد درويش العربي
قصة قصيرة من مجموعتي القصصية صدى الأرواح
في أقصى الجنوب، حيث تمتد الأرض عطشى، وتغفو النخيل في صمتٍ مهيب، تقع قرية “القلعة”، مختبئة بين تلالٍ صخرية، وأرضٍ صعيدية يابسُها يشهد على قسوة الحياة وكرامة أهلها.
هناك، وسط سكونٍ لا يقطعه إلا صوت الريح حين تمرّ على وجوه المقابر، يرقد أمل دنقل.
قبره بسيط، لا شاهق ولا منمَّق، كما أراد.
تحيطه مقابر من طينٍ وحجر، بعضها مهجور، وبعضها تحرسه آياتٌ من القرآن منقوشة على ألواحٍ خشبيةٍ مائلة.
لا سياج يحمي القبر، فقط ظلّ نخلةٍ عجوزٍ مائلة تحرسه كما تحرس أمٌّ ابنها النائم.
على شاهد قبره، ترى اسمه محفورًا بخطٍّ يدويٍّ، ربما خطَّه أحد أبناء القرية ممن قرأوا “لا تصالح”، وخبَّؤوها في صدورهم.
لا زهور، بل بقايا ترابٍ مبلولٍ بندى الفجر، وشيءٌ من الصمت يشبه الشعر.
وفي الأفق، تمتد جبال قنا الصلبة، شاهدة على شاعرٍ لم يساوم، ونام كما عاش: عاريَ الكفّ، مرفوع الرأس.
لم يكن ضوء الشمس هو ما أيقظه، بل ورقةٌ خفيفةٌ سقطت على صدره.
كان التراب لا يزال رطبًا، والقبر لم يبرد بعد من أثر حبات الندى في فجر ذلك اليوم.
فتح عينيه ببطء، وإذا بالورقة التي سقطت عليه تحمل كلماتٍ تخترق قلبه:
تمَّ التصالح… والخضوع قد عمَّ…
لا تسألني عن الجرحى… لا تسألني عن الدم…
لا تقل: هل ترى؟… كلُّ الأشياء في ذلك الزمان صارت تُشترى…
نهض أمل دنقل ببطء، كأن الأرض ذاتها لم تكن تريد أن تتركه.
جسده ظل ساكنًا، لكن روحه خرجت، طافت فوق الوطن الكبير كغيمةٍ سوداء، تحمل رائحة البارود والخذلان.
سارت بين الخرائب، لم ترَ ما تبقّى من قلاع الكرامة، بل أسواقًا معلَّقة على أنقاضها، تُباع فيها الذاكرة، وتُشترى القصائد القديمة فقط للزينة، لا للمعنى، لا للقيمة.
في كل زاوية، صدى صوته القديم يرتدّ عليه مثل صفعةٍ على الوجه:
لا تصالح… ولو منحوك الذهب!
رآهم من خلال فتحةٍ صغيرة في قبره: عربًا، بزيٍّ أنيق، يرقصون ويغنّون…
يلتقطون صورًا مع من قتلوا آباءهم وأجدادهم، مع من محوا قراهم من الخرائط، وعلَّقوا مفاتيح العودة في المتاحف، جنبًا إلى جنبٍ مع بقايا البنادق المكسورة.
جلس أمل دنقل على طرف قبره. شعر أن التراب صار ألين من قلوب من فوقه.
مرّت أمامه صور الشهداء الذين حملوه في كلماتهم، الأمهات اللائي ردّدن “لا تصالح” في جنائز أبنائهن، والأطفال الذين كانوا يحفظون القصيدة كنشيد، قبل أن تُمحى من المناهج.
ارتجف. تذكّر كل من ماتوا، كل من قُتلوا وهم متمسكون بما قاله، تذكّر العيون التي صدّقت، والحناجر التي ردّدت، ثم اختنقت.
بكى كما لم يبكِ في حياته.
وبينما كانت دموعه تختلط بتراب القبر، لم يجد في نفسه قدرةً على الصراخ.
عاد إلى حيث استراحته، إلى موته الذي صار أرحم من تلك الحياة، التي رأى فيها القاتل يرقص بجوار وليّ الدم.
ارتمى في حفرة صمته من جديد، ثم همس، وكأن صوته يخرج من عظامه:
تمَّ التصالح… والخضوع قد عمَّ…
لا تسألني عن الجرحى… لا تسألني عن الدم…
لا تقل: هل ترى؟… كلُّ الأشياء في ذلك الزمان صارت تُشترى…





