الأسبوع العربي

عندما يُقاس الفكر بالارقام تضيع البوصلة

بقلم: نعمة حسن

الإعلام في عدد المشاهدات… فهل خسرنا البوصلة؟

في زمن يقاس فيه الإعلام بعدد المشاهدات، يكشف المقال كيف فقدنا الدور التربوي والفكري للإعلام، ولماذا يجب أن نعود للمحتوى الهادف والفكر الراقي كرسالة نبيلة لبناء وعي الأمة، مستشهدين ببرامج الماضي العظيمة وإشارات الدولة نحو التصحيح.

في الماضي، كان الإعلام هو الضلع الثالث في تربية الأجيال، بعد البيت والمدرسة.
كان منبرًا يحمل رسالة سامية، يزرع الفكر الراقي، ويغرس القيم، ويشارك في صناعة وعي الأمة.
لكن اليوم، صار الإعلام يُقاس بعدد المشاهدات لا بالمستوى، وبات يسعى خلف ما يطلبه الجمهور لا ما يحتاجه.
فطغى الميزان، وغابت البوصلة، وصار الإعلام يركض خلف الأرقام، حتى لو فقد روحه ودوره الحقيقي.

غابت الأدوار التربوية الكبرى، وغابت الرسائل النبيلة، وتراجع الفكر العميق أمام سيل من التفاهة المصوّرة.
وبات المشاهد يفرض رغباته على الإعلام، صار الاعلام يرضي المشاهد كي يحقق مشاهدات .لا العكس.
وبعد أن كان الإعلام يقتحم كل بيت ببرامج تغرس القيم وترتقي بالعقول،
أصبح اليوم يلهث وراء كل ما يثير الشهوات، سواء كانت حسية في العري والتساهل والفجور،
أو مادية في إغراق الناس في مشاهد الأكل والولائم والتفاخر، حتى صارت العقول سطحية، والذوق فاسد، والمعايير ضائعة.

صرنا نرى من في القاع، بلا أخلاق ولا مبدأ ولا ثقافة، يعتلون الشاشات ويقدمون أنفسهم كنجوم ونماذج،
حتى صرنا نعرض للعالم مشاهد لا تمثلنا ولا تشبه مصر العريقة.
لا والله!
فمصر هي زويل ومجدي يعقوب وأم كلثوم ونجيب محفوظ،
وليست “أم ساجدة” و”سوزي الأردنية” ومن على شاكلتهم من رموز الفوضى والسطحية.

حتى الغناء الراقي ذهب، واختفى الفن الجميل الذي كان يربي الذوق،
وحلّ مكانه صخب وابتذال وإيحاءات وألفاظ لا تمت للفن أو الموسيقى بصلة،
ولا تمت للحياء أو الثقافة بصلة.

لكن الدولة انتبَهَت،
ورأت ما يحدث،
فبدأت في تصحيح المسار، ولمّ شتات المشهد، وإعادة بناء الإعلام من جديد.وتم تشكيل لجنة لتنظيمه يراسها صفوة  الكتاب والمفكرين والاعلاميبن  وانت تتنظر عدد مشاهدات وتسير عكس اتجاه الدولة .
وها نحن نشهد محاولات حقيقية لاسترجاع دور الإعلام الريادي في بناء المجتمع،
لكن الكرة الآن في ملعب الإعلاميين أنفسهم،
الذين عليهم أن يدركوا أن مرحلة اللهاث وراء المشاهدات قد انتهت،
وأن الذكاء الآن هو في العمق والفكر والمحتوى الراقي الذي يرفع وعي المجتمع ويُعيد للإعلام مكانته وهيبته.

لقد آن الأوان أن نُعيد المشاهد إلى برنامجه الحقيقي،
كما كنا نرى في برامج مثل “نور على نور”،
وشعارات راسخة مثل “العلم والإيمان” و“اخترنا لك” و“العالم يغني”،
حين كان الإعلام رسالة وفكرًا وتنويرًا،
لا تجارة وهمًا وزيفًا.

أما اليوم، فقد صار البعض يشتري الهواء!
يدفع المال، فيظهر على الشاشة، بلا مؤهل ولا رسالة ولا قيمة.
صار من يدفع يعرض ميك أب، الأكل ، والطبخ ، أو مشاهد استعراض فارغة، برامج تستضيف من لا عقل لهم ولا هدف ولا وجود اصلا فقط حققوا مشاهدات فالاعلام السطحي نجمهم حتى المذيعات دون خلفية ثقافية او فكر او حتى أبسط قواعد المذيع الجيد المرتب في المظهر والمتقن للغة  صاحب الفكر والرسالة أصبح بنفس خلفية ضيف حلقته ولو كان مختلفا لما قبل استضافته من البداية
ألا ترى على  الشاشات من لا مهنة لهم ولا علم ولا ثقافة، فقط لأنهم يملكون مالًا.
تسمعهم فتخجل، تراهم فتنكسر فيك الهيبة،
فكيف نرضى أن يشاهد أولادنا وبناتنا هذه النماذج؟
وكيف نرضى أن يعلو صوت القاع على صوت الفكر؟

لقد آن للإعلامي الحقيقي أن يستفيق.
أن يدرك أن الدولة حين سجنت شرذمة الأعمال الهابطة،
كانت تُعلن أن زمن السطحية قد ولى،
وأن القادم هو زمن الوعي والفكر والثقافة،
زمن من يُضيء العقول لا من يُغرقها في الظلام ولا مكان لسطحية تهتم بالمشاهدات دون المضمون .

الإعلام الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهدات،
بل بعدد الضمائر التي أيقظها،
والعقول التي أنارها،
والقلوب التي وجّهها نحو الخير.

ومن أراد أن يكون في الصف الأول،
فعليه أن يكون من صُنّاع الفكر لا من باعة المشاهدات.

_قال تعالى:
“قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ” [الزمر: ٩]

وقال أيضًا:
“إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” [الرعد: ١١]

فلنُغيّر، ولنعُد إلى الإعلام الراقي،
إلى إعلام الفكر، والثقافة، والقيمة،
إلى منبرٍ يُربي ويُهذّب ويُضيء.

فالإعلام الذي يركض وراء عدد المشاهدات،
إنما يركض نحو الفشل بعينه،
والبقاء سيكون فقط لمن أيقظ العقل وصنع الوعي.

ونصيحتي لكل من له منبر اعلامي :

كن الأذكى. بادر.
لا تركض وراء الأرقام،
بل اصنع محتوى يكتب اسمه في الذاكرة،
لا في شريط “الترند” العابر.
أسرع واصنع مكانتك على طريق الفكر والعمق والدور الريادي في بناء أجيال تحمل سلاح الأمة الفكري لانه السلاح الاقوى والمؤثر والباقي .
ولأن هذا الفكر الذي يطرح بكلمة أو بعلم ينفع الناس ويفيد هو الدائم حتى بعد رحيلك.
أطال الله اعمارنا جميعاً وجعل لنا كلمة علم موصولة للخلق بعد انقطاع أعمالنا وارواحنا عن تلك الحياة .
ولنا في رسول الله اسوة حسنة .
فلما لا نتذكر ونتبع
قوله صلى الله عليه وسلم:
“إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى