
طهروا قلوبكم
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
لو إستطاع الماء الرقراق، الذي ينساب بين أناملنا ببرودته وعذوبته، أن يرتدي ثوب الفصاحة وينطق بلسانٍ مبين، لَمَا اكتفى ببلل الأجساد، بل لرفع صوته بنداءٍ يزلزل أركان الغفلة في أعماقنا. لقال لنا بلسان الحكمة وهو يرى تهافتنا على غسل الأطراف وتلميع الوجوه: “يا بني البشر، هلا جعلتم لقلوبكم نصيباً من هذا التطهير قبل أن تكتفوا بغسل أيديكم؟”
إن هذا السائل الطهور، الذي نستخدمه لرفع الأدران عن جلودنا، يهمس لنا بأن النظافة الحقيقية ليست مجرد طقسٍ يومي نؤديه أمام المرايا، بل هي ثورة صامتة تبدأ من الداخل. فما نفع كفٍّ ناصعة البياض إذا كانت تحمل في طياتها غلاً، أو تخفي خلف ملمسها الناعم حقداً دفيناً؟ وما قيمة وجهٍ وضيءٍ مغسول بقطرات الندى، إذا كان القلب خلفه مظلماً، كدرته الأطعام والأهواء؟
إن النفس ونقاء السريرة ليست مجرد خيارٍ عابر، بل هي سجيّة رفيعة ومقامٌ سامٍ لا يبلغه إلا الصفوة من البشر. أولئك الذين أدركوا أن “الجمال” الحقيقي ينبع من ذاك النور القابع في الصدر، لا من مظهر الثياب ولا بريق الحليّ. إنها صفةٌ استثنائية، خُصّ بها أصحاب النفوس المطمئنة والقلوب البيضاء التي تشبه في صفائها ضوء الفجر الصادق.
هؤلاء الذين يملكون قلوباً نقية، لا يعرف الزيف إليها سبيلاً، ولا يجد الحقد في زواياها مستقراً. إنهم يرون العالم بعيون أرواحهم، فيغفرون عند المقدرة، ويصفحون عن زلل العابرين، ويمسحون بأيديهم الطاهرة على جراح المتعبين. قلوبهم كالغيمة الماطرة؛ أينما وقعت نفعت، لا تحمل إلا الخير، ولا تنبض إلا بالحب والسلام.
فيا ليتنا نستمع لنداء الماء الصامت، ونوقن بأن طهارة الجسد هي “البداية”، لكن طهارة الروح هي “الغاية”. فليغسل كل منا قلبه من شوائب البغضاء، وليجعل من نفسه مرآة تعكس نقاء الماء وصفاء السماء، ليكون بحق من أصحاب القلوب التي تضيء لمن حولها دون انتظار ثناء.





